فى خضم التحولات الكبرى التى تشهدها مصر على كافة الأصعدة، تبرز قضية جوهرية تحدد ملامح المستقبل السياسى والاجتماعى للوطن: قضية التجديد فى الحياة الحزبية.. فما نراه اليوم على الساحة ليس مجرد حراك عابر، بل هو تعبير عن حاجة وطنية ملحة لاستيعاب جيل جديد من السياسيين، يحمل رؤى حديثة وأدوات متطورة، ويكون قادرًا على التفاعل مع روح العصر وتحدياته.. الحياة الحزبية لم تعد – كما يظن البعض – نشاطًا ثانويًا أو ترفًا فكريًا، بل هى ضرورة إستراتيجية لضمان استقرار الوطن وتنميته.. فالأحزاب القوية تمثل القنوات الشرعية للتعبير عن إرادة الشعب، والجسور التى تربط بين الدولة والمواطن، وهى الوسيلة الأمثل لصقل الوعى العام وترسيخ مبادئ المشاركة فى صنع القرار.. واللافت أن الجيل الجديد من السياسيين المصريين يأتى اليوم بأدوات مختلفة، تجعله أكثر قربًا من نبض الشارع وأكثر قدرة على فهم التحولات الجارية.. فبفضل الوعى الرقمى المتقدم، أصبح اتصالهم بالمواطن مباشرًا وفوريًا، عبر منصات التواصل التى حولت الحوار السياسى من خطاب أحادى إلى محادثة مفتوحة.. كما أنهم يمتلكون فهماً أعمق لقضايا قد تبدو للبعض ثانوية، لكنها تمثل شاغل الأغلبية: من فرص العمل إلى ريادة الأعمال، ومن التعليم التقنى إلى الاقتصاد الأخضر، ومن تمكين المرأة إلى دمج ذوى الهمم.. هذا الجيل لا يستهويه خطاب الشعارات الجوفاء، ولا يكتفى بالحديث النظرى عن المشكلات.. إنه جيل يسعى إلى حلول عملية قابلة للقياس والتنفيذ، تعكس أولويات الناس الحقيقية وتتعامل مع التحديات اليومية بمنطق الواقعية والجدوي.. وهو ما يجعل وجوده داخل الأحزاب أمرًا لا غنى عنه، إذا أردنا لهذه الأحزاب أن تظل ذات صلة وثيقة بجمهورها، وقادرة على تمثيله تمثيلاً حقيقيًا.. ولكن.. وجود هذا الجيل الواعد لن يثمر تلقائيًا.. فالأحزاب نفسها مطالبة اليوم بتبنى دور القاطرة، التى تقود عملية التطوير والتأهيل.. فمسئولية إعداد الكوادر الشابة، وتدريبهم على مهارات العمل البرلمانى والمحلى، وصياغة السياسات، وإدارة الحوار المجتمعى، هى مسئولية لا تقل أهمية عن خوض الانتخابات ذاتها.. الحزب القوى – فى مفهوم العصر – ليس ذلك الذى يجمع المقاعد فحسب، بل الذى يصنع القيادات، ويبنى الشخصيات، ويرسخ ثقافة العمل المؤسسى القائم على البرامج والمشروعات.. ويتزامن مع ذلك ضرورة ملحة لتجديد الخطاب السياسى نفسه.. فما عادت اللغة التقليدية المغلقة، ذات المفردات الجامدة والخطابات العامة، قادرة على استقطاب الجمهور، خاصة الشباب.. المطلوب الآن خطاب المواطن بلغته، ويعترف بهمومه، ويشركه فى حلها.. . مصر التى تبنى اليوم مستقبلها بكل إرادة وثقة، تستحق أحزابًا بذات المستوى من القوة والحضور.. أحزابًا تتجدد لتبقي.









