جاءت رسالة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى لتعكس بوضوح حجم وعمق التقدير الأمريكى للدور المصرى المفصلى فى قضايا الإقليم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التى ما زالت تمثل جوهر الصراع فى الشرق الأوسط وأحد مفاتيح الاستقرار أو الانفجار فى المنطقة. وتكمن أهمية هذه الرسالة ليس فقط فى مضمونها، بل فى توقيتها وطبيعتها، إذ تُعد أول رسالة يوجهها ترامب إلى رئيس دولة أخري، ما يجعلنا أمام حدث سياسى ودبلوماسى لافت، يتجاوز كونه مجرد تواصل بروتوكولى معتاد بين رؤساء الدول.
>>>
هذا النمط من السلوك الدبلوماسى غير معهود فى تجربة ترامب الرئاسية، لا فى ولايته الأولي، ولا حتى فى العام الأول من ولايته الثانية، حيث عُرف الرئيس الأمريكى بأسلوب مباشر، صدامى أحيانًا، وبميل واضح إلى كسر القواعد التقليدية للدبلوماسية الأمريكية. من هنا، فإن الرسالة تحمل دلالات تتعلق بإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية فى الإقليم، وإعادة الاعتبار للدور المصرى باعتباره ركيزة أساسية فى معادلات الاستقرار، وليس مجرد طرف إقليمى عابر.
>>>
عند قراءة تفاصيل الرسالة، تتكشف عناوين كبرى تتعلق بتقدير الدور المصرى فى إدارة ملفات شديدة التعقيد، وبالتحديات المتزايدة التى تواجهها الدولة المصرية فى محيط إقليمى مضطرب. ومن بين هذه التحديات، تبرز قضية الأمن المائى كأحد أخطر الملفات الاستراتيجية التى تمس جوهر الأمن القومى المصري، فى ظل الأزمة المتصاعدة مع إثيوبيا حول سد النهضة، وما يفرضه ذلك من تهديدات مباشرة لمستقبل التنمية والحياة فى مصر.
>>>
اللافت فى الرسالة هو إشارة ترامب الصريحة إلى استعداده للتدخل كوسيط فى هذا الملف، مقترحًا آلية تقوم على «تقاسم المياه وفق قواعد فنية». وقد قرأت الرسالة باللغتين العربية والإنجليزية، ولاحظت أن لغتها إيجابية، غير تقليدية، وتكشف عن اطلاع حقيقى على تعقيدات الملف، وهو ما يجعلها رسالة تستحق التوقف عندها باهتمام، بعيدًا عن الانطباعات السطحية أو ردود الفعل المتسرعة.
>>>
غير أن التوقف الأهم كان عند مصطلح «تقاسم المياه على أساس الاحتياجات» وهو تعبير بالغ الحساسية، ويفتح بابًا واسعًا للتساؤلات المشروعة. هل يعنى ذلك إعادة فتح ملف التفاوض حول مجمل قضايا مياه النيل، وليس فقط مسألة سد النهضة؟ وهل يمكن أن يقود هذا الطرح إلى تجاوز أو إعادة صياغة منظومة الحقوق التاريخية والاتفاقات الدولية القائمة، لصالح اتفاقات جديدة تُبنى على معايير الاستخدام والاحتياج الفعلي؟
>>>
لا شك أن هذا الملف يُعد من أكثر الملفات حساسية لدى المصريين، وأى محاولة لتناوله بخفة أو من خلال نقاشات إعلامية عابرة قد تكون محفوفة بالمخاطر. فقضية المياه فى مصر ليست مجرد ملف تفاوضي، بل مسألة وجودية تتعلق بالحياة نفسها، وبقدرة الدولة على الاستمرار والتنمية فى ظل موارد مائية محدودة، ومناخ جاف، ومعدل أمطار شحيح يكاد يكون نادرًا.
>>>
ومع ذلك، فإن منطق الاحتياجات والاستخدامات وفق قواعد فنية، وهو المنطق الذى تتبناه مؤسسات دولية كالبنك الدولي، قد يحمل فى طياته فرصًا لمصر إذا ما أُحسن توظيفه. فالمعايير الفنية البحتة ستكشف بوضوح الفجوة الهائلة بين دولة تعتمد شبه كلى على نهر واحد لتأمين احتياجات أكثر من مئة مليون نسمة، ودولة أخرى تستقبل أراضيها سنويًا أكثر من ألف مليار متر مكعب من المياه، فضلًا عن معدلات أمطار مرتفعة وموارد مائية متجددة.
>>>
فى هذا السياق، قد تتحول القواعد الفنية من مصدر قلق إلى ورقة قوة، تُظهر عدالة الموقف المصري، وتضع السلوك الإثيوبى تحت مجهر التقييم الدولى الموضوعي، بعيدًا عن الشعارات السياسية أو الخطابات التعبوية. غير أن هذا المسار يظل محفوفًا بالتعقيد، ويتطلب إدارة دقيقة، وحسابات متأنية، وضمانات واضحة تحول دون المساس بالحقوق التاريخية المكتسبة.
>>>
فى المحصلة، يمكن القول إن عرض الرئيس ترامب للتدخل فى هذا الملف يعكس إدراكًا متقدمًا لخطورة الوضع المائى فى الإقليم، ووعيًا بأن قضية المياه بالنسبة لمصر ليست ملفًا قابلا للمساومة أو المناورة، بل مسألة حياة أو موت. كما يعكس فى الوقت ذاته إدراكًا أمريكيًا متجددًا لأهمية مصر كشريك استراتيجى لا غنى عنه فى أى ترتيبات مستقبلية تخص أمن واستقرار الشرق الأوسط.









