كشف الدكتور حسين عيسى، المنسق العام للمجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية، ورئيس الأمانة الفنية للجنة إصلاح وإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية، ورئيس جامعة عين شمس الأسبق، وأحد الخبراء الاقتصاديين البارزين، في حواره لـ “الجمهورية الأسبوعي”، أن التحدي الماثل أمام الحكومة (سواء الحالية أو الجديدة) وأمام مجلسي النواب والشيوخ في دورتيهما الجديدتين، يكمن في وضع حزمة من السياسات والإجراءات والأنشطة التي تؤدي إلى تحسن الأحوال المعيشية للمواطن ورفع مستواه المعيشي.
وقال إن عام 2026 سيشهد اتجاهاً للدول الأوروبية نحو نقل استثماراتها إلى مصر بأرقام ضخمة جداً لا تقارن بالاستثمارات العربية الأخيرة؛ وذلك نتيجة توافر البنية الأساسية، والعمالة المدربة، والبيئة الآمنة، والنظم المستقرة.
وأكد “عيسى” أن مصر في حاجة ملحة لتطبيق مفهوم “الهندسة الإدارية”؛ حيث يعاني معظم المتعاملين مع الأجهزة الحكومية من بيروقراطية حادة مصحوبة بضياع الوقت واستنزاف الجهد، مشيراً إلى إمكانية تبسيط هذه الإجراءات والأنشطة بما يؤدي إلى رفع كفاءة وفاعلية العملية الإدارية.
وأعلن عن الانتهاء من المرحلة الأولى لإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية، والبدء بتطوير شامل للهيئة الوطنية للإعلام، ووضع خطة لتسديد ديون هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التي تبلغ 350 مليار جنيه، لافتاً إلى أنه سيتم قريباً مناقشة هيكلة “سكك حديد مصر” والهيئة القومية للأنفاق.
• مع بداية عام 2026 وتزايد الأحداث الساخنة في العالم.. كيف تنظر إلى هذه التطورات؟
بالفعل، يشهد عام 2026 تطورات سياسية في مناطق مختلفة؛ وقد اطلعتُ على تقارير مراكز أبحاث المؤسسات العالمية الصادرة خلال شهري ديسمبر ويناير. كنا نظن أن اتفاق غزة سيحل المشكلة، ولكن ما تزال هناك عقبات في المرحلة الأولى نأمل تجاوزها للدخول في المرحلة الثانية.
كما أن الصراع الروسي الأوكراني تظهر ملامح لحله أحياناً ثم تختفي. كذلك تحيط بالحدود المصرية نزاعات متعددة، سواء في السودان أو ليبيا أو الصومال أو إثيوبيا، علاوة على ما يشهده العالم من توتر شديد في العلاقات الأمريكية الصينية، والصينية اليابانية، بالإضافة إلى ما حدث مؤخراً في فنزويلا.
وأرى أن عام 2026 سيشهد تزايد الدور الدولي للصين وتخليها عن سياسة الاهتمام بالشأن الداخلي والاقتصادي فقط؛ فقد بدأت بالفعل في إطلاق مبادرات ليكون لها دور في حل النزاعات عبر الوساطة وتقديم حلول مختلفة للمشكلات الدولية. وبالتأكيد يؤثر ذلك على الشرق الأوسط وفي قلبه مصر.
وتقوم السياسة الخارجية المصرية على التوازن في العلاقات بين كافة الدول باعتبار مصر قوة إقليمية تسعى لحل النزاعات بالطرق السلمية؛ لأنها تؤثر مباشرة على المصالح والاقتصاد المصري، سواء في قناة السويس أو في تكلفة استضافة نحو 12 مليون ضيف على الأراضي المصرية من الدول التي تعاني من نزاعات،
وهو ما يمثل عبئاً شديداً على الدولة. ويبذل وزير الخارجية جهوداً حثيثة مع المؤسسات الدولية للحصول على الحقوق المصرية وفقاً للقانون الدولي.
• وكيف ترى تأثير النزاعات المحيطة بمصر من كل جانب؟
أعتقد أن التوتر في الدول المحيطة بمصر ومشكلات الملاحة في البحر الأحمر تؤثر بلا شك على مصر اقتصادياً، سواء في إيرادات قناة السويس أو في سلاسل التوريد.
ومصر تبذل كل الجهد للتخفيف من حجم تلك المشكلات؛ فالقيادة السياسية مع مجلس الوزراء ووزارة الخارجية يبذلون جهوداً استثنائية، وهناك قرارات سياسية محسوبة بدقة لمواجهة الأخطار الخارجية.
ونتيجة لهذه السياسة المتوازنة، والاستقرار الذي تنعم به مصر مقارنة بالنزاعات في مناطق أخرى، تفكر بعض الدول الأوروبية بجدية في نقل استثماراتها إلينا بأرقام ضخمة تفوق الاستثمارات العربية الأخيرة؛ نظراً لتوفر البنية الأساسية والبيئة الآمنة.
كما بدأت دول جنوب شرق آسيا في تنويع استثماراتها والتوجه نحو الدول المستقرة مثل المغرب وجنوب أفريقيا، وهذا ما تنتهجه الدول الأوروبية أيضاً عند توجهها إلى مصر، فهي تنظر إليها بصفتها الدولة الرائدة في المنطقة التي تتمتع بأقصى درجات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني.
• من وجهة نظركم كخبير اقتصادي.. ما الذي ينقصنا لجذب هذه الاستثمارات وتشجيع المترددين؟
في الواقع، شهدت الفترة من 2014 إلى 2025 طفرة حقيقية في مجال البنية التحتية، من طرق وكباري ومحطات صرف وكهرباء ومياه. ومن خلال جولاتي على مدار أربع سنوات في أكثر من 20 كلية تجارة بمحافظات مصر، شاهدتُ بنفسي هذه الطفرة في الأقاليم تماماً كما حدث في القاهرة.
ناهيك عن مشروع “حياة كريمة”، فهو مشروع تاريخي يحتاج إلى دراسة معمقة من الباحثين في علم الاجتماع؛ لأن الدولة تصدت لتنفيذه بكفاءة عالية وفي وقت قياسي بعد ابتعاد القطاع الخاص عن مثل هذه المشروعات.
ونحتاج اليوم إلى نظم تشغيل مرنة وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة في تشغيل هذه المشروعات، بحيث تحقق العائد المطلوب الذي يفيد المواطن والخزانة العامة والمجتمع ككل.
• ولماذا نحتاج إلى “الهندسة الإدارية” في مؤسسات الدولة كما أشرتم؟

نحن بحاجة ملحة لتطبيق مفهوم الهندسة الإدارية (Re-engineering) للقضاء على البيروقراطية القاتلة. الهندسة الإدارية تعني إعادة دراسة وتحليل أساليب العمل والإجراءات الإدارية وتفاصيل التشغيل لتبسيطها، مما يرفع كفاءة العملية الإدارية.
الإجراء الذي يمكن إنجازه في خطوتين ويُنفذ حالياً في عشر خطوات هو ضياع للوقت والجهد والتكلفة. وهناك دول طبقت هذا المفهوم وحققت نجاحاً كبيراً في تبسيط خطوات العمل وإعادة توزيع العمالة بشكل يسمح باستغلال الطاقات البشرية على الوجه الأكمل.
• يتخوف البعض من أن يؤدي تطبيق الهندسة الإدارية إلى الاستغناء عن العاملين؟
علينا توضيح أن الكفاءة تعني ألا يستهلك الموظف وقته في عمل غير ذي قيمة. المقياس العالمي لعدد ساعات العمل الفعلي يجب أن يُطبق؛ فمن أجل تحقيق دخل مرتفع وحياة كريمة، لابد من العمل لساعات فعلية منتجة. وإذا لم يكن لدى الموظف عمل يؤديه خلال ساعات العمل، فهذا خطأ في “نظام العمل” نفسه، وهنا يأتي دور الهندسة الإدارية التي تجعل كل موظف يمارس عملاً محدداً بدقة.
قد يتبين أن مكاناً يعمل به عشرة موظفين لا يحتاج سوى لثلاثة، والباقون يخضعون لـ “تدريب تحويلي” مكثف ويُنقلون إلى أماكن أخرى في حاجة إليهم، مما يرفع الإنتاجية في كافة القطاعات.
• هل يتطلب تحسين الأساليب الإدارية إعادة نظر في إجراءات تراخيص المشروعات الاستثمارية؟
بالتأكيد، فالأمر لا يتوقف عند “رقمنة” الإجراءات فحسب، بل في تقليص عددها. وزير الاستثمار ذكر أن الموافقات في هيئة الاستثمار تصل إلى 67 موافقة، وهو رقم ضخم يجب تقليصه إلى 5 موافقات فقط.
وهذه فرصة لإعادة النظر في بعض الجهات التي استنفدت الغرض منها وأصبحت بلا نشاط محدد. نحن نحتاج إلى ما يسمى “الجهاز الحكومي الأكثر رشاقة” الذي لا يثقل كاهل الدولة بجهات تراقب وتراجع دون فاعلية حقيقية.
• عرضتم فكرة إنشاء جهاز واحد مسؤول عن “ريادة الأعمال” في مصر.. ما أهميته؟
جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة موجود، لكنه لم يُفعل بالدرجة الكافية. وعندما حضرت اجتماعات المجموعة الوزارية لريادة الأعمال، فوجئت بأعداد ضخمة من الشباب الذين يديرون مشروعات صغيرة لكنهم يفتقدون للتنسيق وتسهيل التعامل الحكومي، والأهم: “التسويق”.
ومن هنا جاءت فكرة جهاز فني متخصص لريادة الأعمال يساعد الشباب في الإنتاج والتسويق وفتح الأسواق الخارجية.
• ماذا تم في المرحلة الأولى لتقييم الهيئات الاقتصادية؟
بعد الانتهاء من المرحلة الأولى (التقييم)، عرضنا النتائج على رئيس الوزراء. تضمنت المرحلة دراسة تشخيصية وخطة عمل للإصلاح. وبحثنا أوضاع 59 هيئة اقتصادية بدقة وفق معايير محددة، وانتهينا إلى:
- استمرار 43 هيئة بصفتها هيئات اقتصادية.
- تحويل 7 هيئات إلى هيئات عامة خدمية لعدم توفر شروط الهيئة الاقتصادية بها.
- دمج 7 هيئات في هيئات أخرى لتشابه الأنشطة.
- مقترح بإلغاء هيئتين.
وأؤكد أن الدمج أو الإلغاء لا يمس حقوق العاملين، فهي محفوظة تماماً. وإعادة الهيكلة التي نقصدها تشمل الجوانب التشريعية، والقانونية، والإدارية، والمالية، والمحاسبية، والتسويقية.
واتفقنا مع الدكتور مصطفى مدبولي على البدء في المرحلة الثانية لست هيئات تعاني من مشكلات كبيرة، وهي: (الوطنية للإعلام، المجتمعات العمرانية، سكك حديد مصر، القومية للأنفاق، السلع التموينية، والمشروعات الصناعية). وقد بدأنا بالفعل بالوطنية للإعلام والمجتمعات العمرانية.
• هل ترى أن خطة هيكلة “هيئة الإعلام” ستساهم في تطوير “ماسبيرو”؟

قناعتي أننا جيل تربى على ثقافة “ماسبيرو”، ومستحيل أن نتركه يغرق. وقد وجدنا دعماً كاملاً من رئيس الوزراء الذي وجه رئيس هيئة الإعلام بالتركيز على “خطة تشغيلية” تعيد ماسبيرو لمكانته، وتأجيل قضية الديون مؤقتاً.
الخطة التي ستُعرض في يناير الحالي تتضمن تفاصيل البرامج الجديدة والايرادات والمصروفات، مع التركيز على تلبية متطلبات الأجيال الجديدة (مستخدمي الهواتف الذكية). كما أوضحنا أن وجود 25 ألف موظف ليس عائقاً أمام الهيكلة إذا وُضعت خطة تشغيل ذكية.
• وماذا عن خطة هيكلة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة؟
رغم أنها من أكبر الهيئات التي تحقق فوائض، إلا أن الدراسة كشفت عن مشكلة ضخمة في الديون تقدر بنحو 350 مليار جنيه، وفوائد هذا الرقم تلتهم أرباح الهيئة. الهيئة وردت للخزانة 8 مليارات جنيه هذا العام، وهذا الرقم يمكن أن يتضاعف ثلاث مرات إذا أعيدت هيكلة الديون.
الخطة مالية بحتة ولا تتدخل في أسلوب التشغيل أو التسويق، وتتضمن توقيع بروتوكولات مع البنوك لسداد الديون على مدار عشر سنوات. يذكر أن هذه الديون نشأت نتيجة تصدي الهيئة للمشروعات القومية العملاقة ودورها الوطني التاريخي.
• بصفتكم رئيساً للأمانة الفنية.. هل تحتاج الأمانة لإعادة نظر في دراستها؟
طبعاً، وإعادة النظر تعني التطوير عبر مسارين:
- وحدة الأصول المملوكة للدولة: التي يرأسها الدكتور هاشم السيد، وتتولى إعادة هيكلة قطاع الأعمال العام وتجهيز الشركات للطرح، واتفقنا أن تتولى الوحدة هيكلة الهيئات بصفتها مالاً عاماً.
- المكاتب الاستشارية: اقترحنا الاستعانة بمكاتب وطنية لإعادة التقييم. رئيس الوزراء اقترح استمرار التعاون بين الأمانة الفنية ووحدة الأصول، وقريباً سنعقد اجتماعات لهيكلة سكك حديد مصر والقومية للأنفاق.
• هل يشهد الاقتصاد المصري استقراراً في عام 2026 بعد تخفيض سعر الفائدة؟
أتوقع أن تكون مؤشرات الاقتصاد الكلي مستقرة في 2026، سواء سعر الصرف أو سعر الفائدة أو معدلات التضخم (الذي وصل لأحدث مؤشراته 11%). لكن استقرار هذه المؤشرات -رغم أهميته للمستثمرين- ليس هو المعيار الوحيد؛ فالمعيار الحقيقي هو أن يشعر المواطن البسيط بتحسن أحواله المعيشية.
وهذا هو التحدي الأكبر أمام السلطتين التنفيذية والتشريعية: وضع سياسات تضمن انعكاس الاستقرار الاقتصادي على دخل المواطن وقدرته الاستهلاكية.









