أخطر ما يمكن أن يصيب العمل العام أن يتحول المنصب من أداة خدمة إلى مرآة، ومن مسئولية ثقيلة إلى منصة عرض. فى هذه الحالة لا يعود السؤال: ماذا أنجزت؟ بل يصبح: كيف ظهرت؟، ولا يكون معيار النجاح أثر القرار، بل عدد الصور، ولا يُقاس الحضور بوزن الفعل، بل بزخم «اللايك» وسرعة تداول المقطع.
>>>
بعض المسئولين – ولا أعمم – يعيشون أسرى لفلسفة «الإدارة بالواجهة». كل شيء مُعدّ بعناية للصورة: زاوية الكاميرا، تعبير الوجه، نبرة الصوت، حتى الصمت محسوب، وحتى العبوس مقصود. المهم أن يبدو الرجل (أو السيدة) مهموماً، منشغلاً، قريباً من الناس، خبيراً فى كل شيء، حتى وإن كان الواقع يقول غير ذلك.
>>>
هؤلاء لا يديرون مؤسسات، بل يديرون انطباعات. لا يبنون سياسات، بل يبنون سردية شخصية. الدولة عندهم ليست مشروعاً مستمراً، بل خلفية مؤقتة لصورة شخصية. فإذا اختفت الكاميرا، اختفى الاهتمام، وإذا خفت الضوء، خفت الحماس، وإذا تبدل المنصب، تبدلت اللغة والمواقف والولاءات.
>>>
المشكلة الأعمق ليست فى حب الظهور، فحب الظهور ضعف إنسانى معروف، لكن الكارثة حين يصبح الظهور بديلاً عن الإنجاز، وحين يُختزل العمل العام فى مشهدية مصطنعة، تُدار بالعلاقات العامة أكثر مما تُدار بالعقل والخبرة والضمير.
>>>
القلق هنا علامة فارقة. ترى القلق فى العيون، فى التردد، فى الإفراط فى التبرير، فى الهوس بالتبرئة الاستباقية. قلق من الرحيل، قلق من النقد، قلق من فقدان اللقب قبل فقدان الثقة. وهذا القلق قاتل للإبداع، لأن من يخاف لا يغامر، ومن يترقب لايقرر، ومن يحسب كل خطوة على ميزان صورته لايستطيع أن يتحمل كلفة القرار الصحيح.
>>>
المسئول الواثق يعمل فى صمت ولا يخشى المحاسبة. أما المسئول القَلِق فيعمل أمام الكاميرا ويخشى غيابها. الأول يراكم أثراً، والثانى يراكم أرشيفاً. الأول يترك مؤسسة أقوى مما كانت، والثانى يترك حسابات نشطة وملفات مؤجلة.
>>>
والنهاية معروفة. الصورة لا تحمى صاحبها إلى الأبد، واللقطة لا تصمد أمام الواقع. عاجلاً أو آجلاً ينكشف الفراغ، ويحدث الرحيل، ويتحول الخطاب فجأة: من مدح الدولة إلى عتابها، من الدفاع إلى التبرم، من الولاء الصاخب إلى الامتعاض البارد، وكأن المشكلة لم تكن يوماً فى الأداء بل فى «عدم التقدير».
>>>
مرة أخرى، لا أعمم، ولا أُصنّف الناس فى قوالب جاهزة، ولا أدّعى حكمة أو وصاية. لكن الإصلاح يبدأ بالتسمية الصحيحة للأشياء. الدولة لا تُدار بالصور، والمؤسسات لا تنهض بالانطباعات، والمناصب لا تُخلَّد باللقطات.
>>>
العمل الحقيقى لا يحتاج كاميرا ملازمة، بل يحتاج شجاعة، وطمأنينة داخلية، وإيماناً بأن المنصب مرحلة، لا غاية، وخدمة، لا هوية. ومن يفهم ذلك، يرحل – إن رحل – مرفوع الرأس، لاممتعضاً، ولا غاضباً، ولا محتاجاً إعادة كتابة تاريخه.









