المسئولية أمانة.. وعندما يتقلد الإنسان منصبًا.. وزيرًا.. أو مديرًا أو حتى موظفًا بسيطًا فى قطاع جماهيرى خدمى.. فإن معيار نجاحه هو قدرته على انجاز مصالح المواطنين فى سهولة ويسر ودون تعقيد.. والوزير الذى يتم اختياره للمنصب الوزارى يحمل على عاتقه مسئولية وأمانة كبيرة نحو المواطنين.. وكلما كان المسئول قريبًا من حياة المواطنين.. يعيش بينهم ويشعر بمعاناتهم ويسعى لحل مشاكلهم.. كلما كان نجاحه فى مهمته.. لكن عندما يتولى المسئول منصبًا رفيعًا.. ويعيش فى معزل عن البشر.. تأتى قراراته وإدارته بعيدة كل البعد عن الواقع وعن حياة المواطن.
.. من هنا أتوجس خيفة دومًا عندما أسمع من مسئول مصطلحات دقيقة ومهمة وتمس حياة المواطن بصورة مباشرة مثل الدعم النقدى.. أو وصول الدعم لمستحقيه.. فتلك مسألة مهمة وتحتاج إلى دراسة واسعة وأنيقة أيضا.. فما هى معايير التحول للدعم النقدى ومعايير معرفة المستحق من غيره.. ومن هم الفئات الأولى بالرعاية.. وفئات محدودى الدخل الذين يستحقون الدعم النقدى.. بأسلوب واقعى يحقق العدالة الاجتماعية المنشودة.
> > >
إن التحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدى يحتاج إلى دراسة متأنية ودقيقة من جميع الأجهزة المعنية بهذا الموضوع بما يضمن دقة التنفيذ وعدم إهدار المليارات لمجرد تغيير المنظومة من فلسفة إلى فلسفة أخرى.
.. وإذا كان الهدف من تطبيق التحول من الدعم العينى إلى نقدى هو ضبط الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه بكفاءة وشفافية والقضاء على عملية اهدار الملايين من منظومة الدعم العينى دون وصولها إلى المواطن مستحق الدعم.. فإن ذلك يحتاج إلى وضع معايير واقعية موضوعية تطابق واقع المعيشة والأسعار بصورة عملية دون النظريات التى تجور على حق المواطن.. فما تردد من بعض المسئولين سابقًا مثلما خرج وزير تموين سابق بقوله إن من يحصل على راتب ثلاثة آلاف جنيه.. لا يستحق الدعم.. أو أن من يمتلك أكثر من خط موبايل.. أو ابنه فى مدرسة خاصة.. أو يمتلك سيارة.. كل هذه المعايير ليست مقياسًا واقعيًا يمكن البناء عليه بصورة منصفة أو موضوعية.. فهناك من يمتلك سيارة لانه لا يستطيع الخروج إلى عمله فى أماكن نائية تفتقد أى خطوط مواصلات ميسرة يمكن أن يذهب ويعود من عمله بواسطتها ويقتطع نصف راتبه للانفاق على الذهاب والاياب إلى «أكل عيشه».. وهناك من يوفر من طعامه وشرابه لكى يجد نجله مقعدًا فى مدرسة خاصة قريبة من سكنه.. ويصعب عليه إلحاق نجله بمدرسة حكومية.. وهناك من يضطر إلى شراء عدة خطوط موبايل لابنائه لكى يطمئن عليهم ذهابًا وإيابًا إلى مدارسهم أو جامعاتهم.. وأيضا لم يعد الإنترنت رفاهية.. بل ضرورة حياتية لا يمكن الاستغناء عنها.. فالتقديم فى مدارس الحكومة وقضاء المصالح صار بالإنترنت فصار ضرورة حكومية ولم يعد رفاهية.. فكل المعايير التى كان يتحدث عنها المسئولون سابقًا ليست دليل رفاهية أو ثراء أو أنه لا يستحق الدعم.. إذن فمسألة المعايير الموضوعية تحتاج دراسة متأنية وقاعدة بيانات دقيقة يمكن أن تحدد مستحق الدعم بصورة منصفة وعادلة.
وإذا كان البعض يرى أن التحول إلى الدعم النقدى يضمن وصول الدعم إلى المواطن المستحق.. دون اهدار المليارات التى تضيع فى منظومة الدعم العينى.. وأن الدعم النقدى يعطى المواطن الحرية فى شراء احتياجاته الفعلية فكل هذه النظريات منطقية ولا خلاف عليها.. وإنما لا بد كما قلت من معايير موضوعية وقاعدة بيانات دقيقة عن المواطن المستحق للدعم وأنا شخصيًا أرى أن كل من يقل راتبه أو معاشه عن عشرة آلاف جنيه.. يستحق دعم الدولة.. ولابد أن تضع المعايير المطبقة حياة المواطن بصورة واقعية بين تكاليف معيشة.. ومواصلات.. ومياه.. وكهرباء.. وايجار ومدارس.. وعلاج.. ناهيك عن الملبس والمأكل والمشرب.. ومواجهة طوارئ الحياة.









