تعد مصر واحدة من الوجهات القليلة فى العالم التى لا يُنظر إليها كمجرد بلد سياحى، بل كمتحف مفتوح يمتد عبر آلاف السنين. تمثل السياحة الثقافية والتاريخية العمود الفقرى لصناعة السياحة المصرية، فهى التى تجذب ملايين الزوار سنوياً الطامحين فى فك رموز الحضارة الفرعونية، واستكشاف العمارة الإسلامية، والتعرف على التراث القبطى العريق.
السياحة الثقافية والتاريخية فى مصر: رحلة عبر الزمن
عظمة الحضارة الفرعونية: حجر الزاوية لا يمكن الحديث عن السياحة الثقافية فى مصر دون البدء بالحضارة المصرية القديمة فى القاهرة، تقف أهرامات الجيزة الثلاثة (خوفو، خفرع، ومنقرع) مع تمثال أبى الهول كشاهد حى على عبقرية الهندسة القديمة. إنها العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع القديمة، ولا تزال حتى يومنا هذا تثير تساؤلات العلماء والباحثين حول كيفية بنائها بدقة فلكية وهندسية مذهلة. أما بالانتقال إلى الجنوب، وتحديداً فى الأقصر، نجد أنفسنا أمام ما يُعرف بـ «أكبر متحف مفتوح فى العالم» تضم الأقصر ثلث آثار العالم، حيث يتجلى المجد فى معبد الكرنك، وهو أضخم دار للعبادة بنيت على وجه الأرض، ومعبد الأقصر الذى يضاء ليلاً ليعكس سحر التاريخ وعلى الضفة الغربية، يرقد الملوك فى «وادى الملوك»، حيث اكتشفت مقبرة توت عنخ آمون بكامل كنوزها، مما يعكس معتقدات المصريين القدماء عن الحياة بعد الموت.
وبعيداً عن المعابد الفرعونية، تحتضن القاهرة كنزاً ثقافياً يعود للعصور الوسطى تُعرف القاهرة بـ «مدينة الألف مئذنة»، حيث تمثل منطقة القاهرة التاريخية المسجلة ضمن قائمة التراث العالمى لليونسكو، نموذجاً فريداً للعمارة الإسلامية.
ويعتبر أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية فى العالم، حيث يضم مساجد، ومدارس، وأسبلة تعود للعصور الفاطمية، الأيوبية، والمملوكية.
أما قلعة صلاح الدين الأيوبى التى تطل على القاهرة بمآذن جامع محمد على المرمرية، لتروى قصص الحروب والانتصارات.
وفى قلب القاهرة القديمة، نجد مجمع الأديان الذى يجسد روح التسامح المصرى، حيث تجاور الكنيسة المعلقة (واحدة من أقدم الكنائس فى مصر) جامع عمرو بن العاص والمعبد اليهودى، مما يجعلها رحلة ثقافية روحانية لا تُنسى.
وتجمع مدينة الإسكندرية، التى أسسها الإسكندر الأكبر، بين عبق التاريخ الرومانى واليونانى وجمال البحر المتوسط.
أما مكتبة الإسكندرية الجديدة فهى إحياء للمكتبة القديمة وتعد صرحاً ثقافياً عالمياً يضم ملايين الكتب ومراكز البحث.
وتأتى قلعة قايتباى التى بنيت فى موقع فنار الإسكندرية القديم والمسرح الرومانى وكوم الشقافة اللذان يعكسان اختلاط الفن المصرى بالفن الرومانى واليونانى فى تمازج فريد.
وشهدت مصر مؤخراً ثورة فى كيفية عرض آثارها للعالم من خلال افتتاح متاحف عالمية المواصفات، مثل المتحف المصرى الكبير الذى يعد أضخم متحف فى العالم مخصص لحضارة واحدة، ويضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون لأول مرة. والمتحف القومى للحضارة المصرية الذى نال شهرة عالمية بعد «موكب المومياوات الملكية»، حيث يعرض تسلسلاً زمنياً للحضارة المصرية من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث.
وتمثل السياحة الثقافية فى مصر مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، كما أنها توفر ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة كما تساهم فى الحفاظ على الهوية الوطنية، حيث تعمل الدولة باستمرار على مشاريع «ترميم الآثار» وتطوير المناطق المحيطة بها مثل مشروع تطوير مسار آل البيت وتطوير منطقة الأهرامات لتوفير تجربة سياحية تليق بعظمة التاريخ المصرى. وتواجه السياحة الثقافية تحديات تتعلق بالتغيرات المناخية وتأثيرها على الأحجار الأثرية، وهو ما تتعامل معه الحكومة المصرية عبر التعاون الدولى لترميم وحماية هذه المواقع. كما تتوجه الدولة حالياً نحو «التحول الرقمى» فى السياحة عبر إتاحة التذاكر الإلكترونية والجولات الافتراضية للترويج للآثار المصرية عالمياً.
إن السياحة الثقافية والتاريخية فى مصر ليست مجرد نزهة بين الأحجار، بل هى تجربة وجدانية تربط الحاضر بالماضى فكل نقش على جدران المعابد وكل قطعة أثرية فى المتاحف تحكى قصة إنسان أبدع فى الفلك والطب والعمارة والسياسة قبل آلاف السنين. ستبقى مصر دائماً القبلة الأولى لكل من يريد أن يقرأ تاريخ البشرية من منبعه الأصيل.
وللحديث بقية









