ليست القوة وحدها هى من تحفظ الأوطان، ولكن إدارة القوة نفسها هى من تحقق ذلك، أو تقود إلى مغامرات ومقامرات، تؤدى فى النهاية إلى الهلاك والهزيمة وإهدار القوة، ولنا فى التاريخ تجارب وعبر فقد هلكت القوى المتغطرسة التى مارست الهمجية والبغى والعدوان وفشلت مشاريعها لذلك ترسخت قاعدة فى الأذهان أن السقوط المدوى وربما الفناء نتيجة حتمية لأوهام التوسع والسيطرة على العالم، فدائمًا البقاء للخير.
إدارة القوة، وفق عقيدة ومبادىء وحسابات وتقديرات مواقف إستراتيجية تدافع عن البقاء والحدود والوجود والسيادة والمصالح، ولا تبغى ولا تعتدى دون أسباب، وعدم الانسياق وراء محاولات الاستدراج والاستنزاف، ورفض التهور والالتزام بضبط النفس، والصبر الإستراتيجى فالدول لا تدار، بالعنتريات والعواطف والمغامرات بل بالحكمة والتوازن والترتيب والتقديرات والحسابات فالقوة لا تعنى الغطرسة، والاعتداء بدون حق.
التاريخ حافل بالمقامرين بأوطانهم من الذين عانوا من تضخم القوة والذات، واغرتهم نوازع السيطرة والتوسع، وتوهموا أن الأرض ستدين لهم، والعالم سيكون فى قبضتهم، فكان الجزاء والمصير حالك الظلام، مهما طالت الغطرسة سيكون الزوال نتيجة حتمية.
الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أحد أحاديثه قال انظر إلى الشمال أو الجنوب أو الشرق من كل اتجاه هناك تهديدات وصراعات مؤكدًا أنه فى ظل هذه الأجواء والتحديات والتهديدات لن يغامر بمصر وشعبها ولم اتخذ قرارًا اضيع به مصر، لن نغامر لا لهوى ولا لسوء فهم خاطىء أو تقدير منقوص لم نتخذ قرارًا يدخلنا فى حيط أو يضيع مصر.
الحقيقة إن مصر نموذج فريد فى الحكمة والحسابات والتقديرات الدقيقة، بما يحقق مصلحة البلاد والعباد ويحفظ الوطن ويحمى الأمن القومى، والمقدرات، فرغم ما لدى مصر من قوة وقدرة وردع، وجيش وطنى عظيم هو أقوى جيوش المنطقة إلا أنها لم تعرف غطرسة القوة ولم تعتدى أو تهجم على أى دولة، وليس لها أهداف سوى حماية أراضيها وحدودها وسيادتها ومصالحها العليا وتأمين أمنها القومى رغم ما تتعرض له من مخططات ومؤامرات ومحاولات استدراج لديها حدود واضحة لا ستخدام القوة تتمثل فى أى محاولات لتجاوز خطوطها الحمراء التى تعكس حدود أمنها القومى، وفرض سيادتها على أراضيها ومقدراتها.
يحسب للرئيس عبدالفتاح السيسى قدرته الفائقة فى الحفاظ على الدولة المصرية رغم ما يحيطها من صراعات واضطرابات وكونها تعيش فى منطقة شديدة الاشتعال تموج بالمخططات والمؤامرات، والاستهداف المباشر لمصر، ليس هنا فحسب بل استشرف مستقبل التهديدات ورأى المشهد مبكرًا وأدرك أن مصر دولة مستهدفة وتنتظرها تحديات واطماع وأوهام كثيرة، لذلك استعد جيدًا وبنى القوة والقدرة والردع الذى يستطيع مجابهة هذه التهديدات، وردع كل من تسول له نفسه المساس أو الاقتراب من مصر ومحاولة فرض أمر واقع عليها، أو تجاوز خطوطها الحمراء، وهو ما شكل صمام الأمان الذى يبعث برسائل حاسمة لكل الطامعين والمتآمرين، ولكن هذه القوة الفائقة والقدرة الهائلة، والردع الحازم، لم يكن من أجل الاعتداء على الآخرين، أو التدخل فى شئون أى دولة أو محاولة انتهاك سيادتها، أو طمعًا فى ثروات الآخرين فمصر دولة شريفة لا تمارس هذه السياسات ولا تدير قوتها بمنطق الغطرسة ولكن وفق الحكمة والتوازن وحماية لأمنها ومقدراتها.
ويمكن أن نصور حكمة الرئيس السيسى مثل الربان الذى يقود سفينة تواجه عواصف ورياحًا وأمواجًا عاتية لكنها سفينة قوية معدة ومجهزة قادرة على مواجهة هذه المتغيرات الحادة، كما أنها تدار بحكمة واعتدال وبتقديرات وحسابات لتفادى المخاطر لذلك استطاعت أن تصل إلى شاطىء الأمان فمصر رغم ما يحيطها من حرائق وصراعات واضطرابات من كل حدب وصوب إلا أنها تحظى بأعلى درجات الأمن والأمان والاستقرار ليس هذا فحسب ولكن أيضا الاطمئنان والثقة فى قدرتها على المواجهة.. وتتحرك بذكاء وحكمة، وعبقرية لمحاصرة وتطويق واجهاض هذه المخاطر وإفسادها وهو ما يعنى أننا أمام إدارة عبقرية للقوة دون اطلاق رصاصة وتدرك تمامًا بل ويسبق فى الوصول إلى هذه المناطق، وتتواجد فى امتدادات أمنها القومى وتقرأ ما يخطط له تحالف الشيطان لتهديد أمنها القومى ومصالحها ومقدراتها الوجودية.
لا توجد دولة فى العالم محاطة بصراعات وتهديدات واضطرابات ومخططات برًا وبحرًا مثل مصر فى الجنوب السودان الشقيق الذى يمثل جزء لا يتجزأ من أمننا القومى وكذلك ليبيا الشقيقة، وفلسطين فى الشرق وما يشهده البحر الأحمر من مخططات واضطرابات وما تمر به الصومال من محاولات للتمزيق والمحاولات الانفصالية، ووصول تحالف الشيطان الصهيونى الإثيوبى إلى البحر الأحمر والاقتراب من باب المندب وكذل؛ تهديد وحدة وسلامة أراضى دولة شقيقة هى الصومال.. وما يحدث فى لبنان وسوريا وما يستهدف المنطقة من اشعال فى ظل احتمالات مرتقبة لاستهداف إيران وهو سينعكس على المنطقة بأكملها من فراغ وفوضى، وسقوط دولة بحجم إيران يعنى أن المخطط الصهيو ــ أمريكى يسير فى الاتجاه المرسوم وأن هناك أهداف قادمة فى ظل رغبة شيطانية عارمة واصرار على رسم شرق أوسط جديد، ورغم كل هذه التحديات والتهديدات والمخاطر وملامح المشهد الإقليمى تقف مصر قوية صلبة حكمة مدركة سابقة فى توقعاتها لما سيحدث والاستعداد لها وأن الحفاظ على قوة وقدرة وردع الدولة المصرية من الاستنزاف والمغامرات ومحاولات الاستدراج هو الطريق الصحيح والحكيم وأننا ونحرك هذه القوة ونستخدمها فى حال المساس بخطوطنا الحمراء بما يعنى أننا حريصون على مواجهة «الغول» بكامل قوتنا، ولا نسمح لأحد أن يستنزفها قبل المواجهة التى قد يفرضها علينا الأعداء والخصوم، وطالت أو قصرت هى قادمة لكن ذكاء وعبقرية القيادة السياسية تتمثل فى الحفاظ على هذه القوة ومواصلة بناء قدرات الدولة الشاملة والمؤثرة لأن الحرب ستكون شاملة ليس الجانب العسكرى فقط بل الاقتصادى، والعقول والاصطفاف والوعى، فقد تفوق الإنسان المصرى وازداد صلابة كلما حاصروه وضيقوا عليه وحاولوا تزييف وعيه بالأكاذيب والشائعات ومحاولات التشكيك ازداد صلابة واصطفافًا وتحديًا ينتفض كالمارد إذا استشعر الخطر على وطنه.
الرئيس السيسى يستحق التحية على تحقيق هذه المعادلة الاستثنائية فما بين دولة تواجه تهديدات ومخططات ومؤامرات ومحاصرة بالصراعات والاضطرابات فى ذات الوقت تنعم بالأمن والاستقرار وتمتلك أعلى درجات القوة والجاهزية لكنها تتمسك بأهداب الحكمة والتوازن والحسابات والتقديرات الدقيقة.









