يعد الأمن المائى المصرى قضية بقاء أو فناء، وهو المبدأ الذى صاغه المفكر العظيم جمال حمدان حين وصف مصر بأنها «هبة النيل»، لكن هذا النيل الذى منح مصر الحياة لآلاف السنين يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة تضع الدولة المصرية أمام اختبار استراتيجى هو الأكبر فى تاريخها الحديث. لقد ارتبط وجود الدولة المصرية منذ فجر التاريخ بنهر النيل، فهو المصدر الرئيسى لأكثر من 97 ٪ من احتياجاتها المائية. وعلى مدار عقود استند الأمن المائى المصرى إلى اتفاقيات دولية تاريخية (مثل اتفاقيتى 1902 و1929، واتفاقية 1959 مع السودان) التى تضمن لمصر حصة سنوية قدرها 55.5 مليار متر مكعب. بالنسبة للقاهرة النيل ليس مجرد مورد اقتصادى، بل هو جزء أصيل من أمنها القومى، وأى مساس بتدفقاته يعتبر تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة. ويواجه الأمن المائى المصرى حالياً ضغوطاً متزايدة ناتجة عن ثلاثة عوامل رئيسية وهى:
أزمة السد الإثيوبى الذى يمثل أكبر تحد سياسى وتقنى، حيث تكمن الخطورة فى سنوات الجفاف والجفاف الممتد، وفى غياب اتفاق قانونى ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل بما يضمن عدم الإضرار بدول المصب.
ومع تخطى عدد سكان مصر حاجز الـ 110 ملايين نسمة، انخفض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 550 متراً مكعباً سنوياً، وهو ما يقل كثيراً عن «حد الفقر المائى» العالمى (1000 متر مكعب)، مما يضع ضغطاً هائلاً على الموارد المتاحة.
وتؤثر التقلبات المناخية على معدلات سقوط الأمطار فى الهضبة الإثيوبية ومنطقة البحيرات العظمى، كما تهدد زيادة ملوحة التربة فى الدلتا نتيجة ارتفاع منسوب سطح البحر.
ولم تقف مصر مكتوفة الأيدى أمام هذه التحديات، بل أطلقت «الخطة القومية للموارد المائية»، وهى استراتيجية شاملة تكلفت مليارات الجنيهات، وترتكز على ترشيد الاستهلاك وتحسين الكفاءة
ويعد المشروع القومى لتبطين الترع واحداً من أهم المشروعات لتقليل الفاقد من المياه وضمان وصولها لنهايات الترع بدقة. كما توسعت الدولة فى التحول من الرى بالغمر إلى الرى الحديث بالتنقيط والرش، خاصة فى الأراضى المستصلحة الجديدة. وكذلك تعظيم الموارد (إعادة التدوير والتحلية). فقد تبنت مصر استراتيجية استخدام المياه لأكثر من مرة عبر إنشاء محطات معالجة عملاقة، مثل: محطة بحر البقر الأكبر فى العالم، لمعالجة مياه الصرف الزراعى واستصلاح آلاف الأفدنة فى سيناء. ثم محطة الحمام التى تخدم مشروع «الدلتا الجديدة». وكذلك تحلية مياه البحر من خلال التوسع فى بناء محطات التحلية فى المدن الساحلية لتوفير مياه الشرب، مما يقلل الاعتماد على مياه النيل فى تلك المناطق.
وعلى الصعيد الدولى تواصل مصر تمسكها بالمسار الدبلوماسى، مؤكدة على حقها فى التنمية لجميع دول الحوض بشرط عدم الإضرار بالحقوق التاريخية. وقد رفعت مصر القضية إلى مجلس الأمن الدولى والاتحاد الأفريقى لتدويل الأزمة والوصول إلى اتفاق عادل.
وهناك ارتباط عضوى بين الماء والغذاء، فالعجز المائى يؤدى مباشرة إلى عجز فى المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والأرز. ولذلك تعمل الدولة على استنباط سلالات زراعية تستهلك كميات أقل من المياه وتتحمل الملوحة، لضمان استمرار الإنتاج الزراعى فى ظل ندرة الموارد.
إن معركة الأمن المائى فى مصر ليست معركة تقنية فحسب، بل هى معركة وعى وطنى. تتطلب المرحلة القادمة تضافراً بين جهود الدولة فى تنفيذ المشاريع القومية، وبين وعى المواطن بضرورة الحفاظ على كل قطرة مياه. سيظل النيل دائماً هو المحور الذى تدور حوله سياسة مصر وعمرانها، وحمايته هى العهد الذى لا يمكن التخلى عنه للأجيال القادمة.









