فليدرك العالم جيدًا أن اختطاف ومحاكمة رئيس فنزويلا «مادورو» يوم 3/1/2026 لم يكن أول الأحداث الامريكية فى التاريخ ولا فى أمريكا اللاتينية كما بينا فى السابق.. ولن تكون الأخيرة فسوف تتبعها فى ذلك دول من عالمنا الثالث إلا إذا تم ردع هذه الروح العدوانية وتجرئها على أصول القانون الدولى وسيادة دوله واستقلالها.. ولنا فى التاريخ دائما عبرة وفى أحداثه عظة.. فلنقرأ هذا التاريخ وشاطئه الآخر الذى لم يسجل واكتفى العديد من المؤرخين والخبراء الاستراتيجيين فقط بالوجه المضىء لأمريكا «هكذا يقدمونه!» فماذا عن الجانب المجهول للشاطئ الآخر لسياسات أمريكا فى العالم.. لعل فى تذكره ما يفيد؟
> > >
أولاً: تأسست أمريكا منذ 249 عامًا (1776م)، قضت منها 228عامًا فى حالة حرب مع جهة ما، ولم تعش بسلام إلا 21عامًا فقط!
وكان فى أمريكا قبل قدوم الأوروبيين 400 قبيلة كبرى من الهنود الحمر، وقدّر د. هنرى دوبينز «رئيس قسم الأنثروبولوجيا فى جامعة كنتاكى» أن تعداد سكان الأمريكتين الأصليين قبل الغزو الأوروبى كان 112 مليون نسمة، أى أكثر من تعداد أوروبا وقتها! لم يتبقَّ منهم عام 1900م سوى ربع مليون فقط.
ــ والعدد الموثّق للحروب الجرثومية التى شنت على قبائل الهنود الحمر هو 93 حربًا جرثومية.
> > >
ثانيا :خَطَف الأمريكان والأوروبيون 12.5 مليون إفريقى لاستعبادهم فى أمريكا، لم يصل منهم سوى 10.7 مليون، فيما مات فى الطريق 1.8 مليون إنسان. نسبة المسلمين بينهم تتراوح بين 10- %20، ما يعنى أن بين 1.25 إلى 3.75 مليون مسلم أغلبهم شباب تم استرقاقهم كعبيد وتم تفريغ أفريقيا من شبابها.. وبتضحيات هؤلاء تأسست ثروة الولايات المتحدة وأصبحت قوة عالمية.
> > >
ثالثًا: حاولت أمريكا قلب نظام الحكم فى 127 دولة، وحاولت اغتيال 54 زعيمًا وطنيًا فى دول العالم الثالث، وأشعلت حروبًا أهلية فى 85 دولة، كما أطاحت منذ 1945 بـ40 حكومة وطنية وتصدت لاكثر من 30 ثورة شعبية.
وكتب توماس جيفرسون إعلان استقلال أمريكا، وقال فيه:» إن الناس خُلقوا متساوين، لكنه مات وهو يمتلك 300».
> > >
رابعًا: منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945م، استخدمت أمريكا حق النقض (الفيتو) 76 مرة، منها 57 مرة ضد حقوق العرب فى فلسطين .
> > >
وكانت أولى حروب أمريكا الخارجية ضد العرب فى شمال إفريقيا: ليبيا، تونس، الجزائر.
ــ خامساً: القنبلتان النوويتان اللتان ألقتهما الولايات المتحدة على هيروشيما (6 أغسطس 1945) وناجازاكى (9 أغسطس 1945) كانتا أول استخدام للأسلحة الذرية فى الحرب، وأدت إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين وتدمير هائل في1945م، وقبلها قتلت 125 ألفًا، وهو عدد يفوق ضحايا قنبلة ناجازاكى.. وفى الأشهر الخمسة الأخيرة من الحرب قتلت الغارات الأمريكية 900 ألف مدنى يابانى.
ــ بعض غارات أمريكا على ألمانيا كانت ذات تأثير شبه نووى: ففى بفورزهايم قُتل 40 ألفًا فى 17 دقيقة.
> > >
سادساً: دعمت أمريكا إنشاء اسرائيل فى فلسطين عسكريًا واقتصاديًا واستخباراتيًا، من أول أعتراف دبلوماسى سنة 1948 مرورًا بالفتوّات الأممية، وصولاً لدعم الحروب على غزة بالسلاح كما فعلوا فى طوفان الاقصى وحرب الإبادة المستمرة فيها وفى جنوب لبنان حتى اليوم 2026.
سابعاً: شاركت أمريكا فى انقلاب إندونيسيا 1965م بقيادة سوهارتو، وقدمت للمخابرات الإندونيسية قوائم بأسماء الشيوعيين والمعارضين، مما أدى إلى مقتل أكثر من مليون إنسان، ــ وأدت حملة القصف الجوى الأمريكى على كمبوديا فى السبعينيات إلى مقتل 750 ألف شخص.
وأسقطت أمريكا على فيتنام قنابل تعادل 3 أضعاف ما استُخدم فى الحرب العالمية الثانية من جميع الأطراف، أى ما يعادل 640 قنبلة هيروشيما.
قادت أمريكا ما يُعرف بـ عملية «كوندور» فى أمريكا اللاتينية خلال السبعينيات والثمانينيات، وهى تحالف استخباراتى هدفه اغتيال واعتقال المعارضين فى التشيلى والأرجنتين والأوروجواى والبرازيل، وأسفرت العملية عن مقتل واختفاء ما لا يقل عن 60 ألف إنسان.
وضعت أمريكا نيلسون مانديلا على قوائم الإرهابيين المطلوبين عام 1988م، وبالرغم من ذلك وبفضل نضاله العظيم هزمهم وحصل فى 1993م على جائزة نوبل للسلام.
ــ دعمت أمريكا نظام الفصل العنصرى الأبارتايد فى جنوب إفريقيا لعقود، واعترضت «فيتو» على 4 قرارات أممية لإدانته، وقدّمت الأسلحة والمال للحكومة العنصرية.
ــ ودعمت أمريكا الإبادة الجماعية فى رواندا عبر دعم نظام الهوتو عسكريًا واستخباراتيًا قبل المذبحة، ثم امتنعت عن التدخل أثناء قتل 800 ألف إنسان خلال 100 يوم..!
وفى الحرب العراقية الإيرانية (٠198ـ 1988) التى قتلت أكثر من مليون، زودت أمريكا كلا الطرفين بـ 93 ٪ من السلاح.
وكانت أمريكا العقل المدبر لحصار العراق بين 1990 و2003، والذى أدى إلى موت نصف مليون طفل بسبب نقص الدواء والغذاء، وقالت مادلين أولبرايت عنهم: «كان الأمر يستحق الثمن»!!!
هذا وقد موّلت أمريكا حرب الصرب فى البوسنة فى بداياتها عبر التسليح غير المباشر ومنع وصول السلاح للبوسنيين، مما أدى إلى مذابح مثل سربرنيتشا التى قُتل فيها أكثر من 8,000 فى يوم!
وأمامنا عشرات الأمثلة المجهولة للتدخل المسلح المذهل لامريكا فى بلاد العالم الثالث عبر المائة عام الأخيرة وكلها على الشاطئ الآخر للتاريخ الأمريكى الذى يتعمد بعض الخبراء الاستراتيجيين عدم ذكره ولعل «نموذج تدخلها المباشر لصالح إسرائيل من بداية حرب الإبادة فى غزة» حتى مجلس السلام الوهمى اليوم فى حرب طوفان الاقصى (2023-2025) ثم فى فنزويلا الآن يؤكد أننا أمام تدخلات مستقبلية أمريكية مؤكدة فى المكسيك وكوبا وإيران وغيرهم.. وأمام سقوط مؤكد للقانون الدولى ومؤسساته وسيادة الدول والتى لم تعد لها قيمة أو وجود أمام غطرسة القوة ولم يعد أمام كافة الدول وبالذات دول عالمنا الثالث إلا التسلح بالقوة.. ولننتظر فالمستقبل ملئ بالمفاجآت!









