فى لحظة فارقة من تاريخ الإعلام المصري، صدر كتاب «أسرار» للصحفى والإعلامى أحمد موسى ليقدم شهادة توثيقية شديدة الأهمية عن واحدة من أخطر وأدق المراحل التى مرت بها الدولة المصرية، وهى الفترة الممتدة من عام 2008 وحتى الآن لا يمكن النظر إلى هذا الكتاب بوصفه مجرد تجميع لمقالات أو مواقف إعلامية، بل هو عمل توثيقى واعٍ يسعى إلى تثبيت الذاكرة الوطنية فى مواجهة النسيان أو التشويه أو الاجتزاء.
>>>
تأتى أهمية الكتاب من طبيعة المرحلة التى يتناولها مرحلة امتلأت بالأحداث المتسارعة، والتحولات السياسية العنيفة، ومحاولات هدم الدولة من الداخل والخارج، وحروب الشائعات والمعلومات المضللة. فى مثل هذه الفترات، يكون التوثيق مسئولية وطنية قبل أن يكون عملاً مهنيًا، وهو ما نجح أحمد موسى فى إدراكه مبكرًا.
>>>
يقدم «أسرار» نموذجًا فريدًا للعلاقة التكاملية بين الصحفى والإعلامى داخل شخصية واحدة. فالصحفى أحمد موسى كان هو المصدر الأول للإعلامى أحمد موسي؛ يمده بالمعلومات، والوثائق، والمذكرات، والتفاصيل التى لا تظهر كلها على الشاشة. لكن ما يُعرض عبر الشاشات، بطبيعته، يظل مؤقتًا، مرتبطًا بلحظة زمنية سريعة الزوال، بينما تبقى الكلمة المكتوبة فى كتاب شاهدة على عصر بأكمله.
>>>
هنا تبرز فلسفة الكتاب؛ فالبرامج التلفزيونية مهما بلغت نسبة مشاهدتها، تختفى مع انتهاء الحلقة، والمقالات اليومية تحترق إخباريًا بعد يوم من نشرها، أما الكتاب فهو الوعاء الأكثر أمانًا لحفظ الوقائع والأفكار، وهو الوثيقة التى يمكن الرجوع إليها والاستشهاد بها عند تحليل الأحداث أو تقييم المواقف. من هذا المنطلق، يصبح «أسرار» بمثابة أرشيف وطنى مفتوح أمام القارئ والباحث والمؤرخ.
>>>
وراء كتاب «أسرار» أسرار أخرى تتعلق بآلية إنتاجه. فالكتاب ليس نتاج لحظة انفعال أو رد فعل آني، بل هو حصيلة سنوات من التجميع، والتوثيق، والفرز، والمراجعة الصحفية الدقيقة، يعقبها مراجعة سياسية واعية تضع الحدث فى سياقه الصحيح، بعيدًا عن التهويل أو التبسيط المخل. هذا الجهد المركب منح الكتاب مصداقية وثقلا، وجعله أقرب إلى شهادة عصر لا مجرد رأى شخصي.
>>>
يمتاز الكتاب أيضًا بلغة مباشرة واضحة، تخاطب القارئ دون تعقيد، وتحافظ فى الوقت نفسه على جديتها واحترام عقل المتلقي. وهو ما يعكس خبرة صاحبه الطويلة فى مخاطبة الرأى العام، وقدرته على تبسيط القضايا المعقدة دون تفريغها من مضمونها.
>>>
الأهم من ذلك أن «أسرار» لا يهدف فقط إلى سرد ما جري، بل يسعى إلى إنعاش ذاكرة الأمة، والحفاظ على ما يجب أن يبقى حيًا فى ضمير الناس. فالنسيان فى مثل هذه المراحل ليس براءة، بل قد يكون خطرًا، والتوثيق هنا يصبح خط دفاع أساسيا عن الحقيقة.
>>>
فى المحصلة، يمكن القول إن كتاب «أسرار» لأحمد موسى هو إضافة مهمة للمكتبة السياسية والإعلامية المصرية، ومرجع ضرورى لفهم ما جرى وما يجرى هو كتاب كُتب ليبقي، وليؤكد أن الذاكرة الوطنية لا يجب أن تكون رهينة الصدفة أو المحتوى العابر، بل محفوظة فى وثيقة يمكن الرجوع إليها كلما حاول أحد إعادة كتابة التاريخ.









