من الواضح أن سياسات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.. تستهدف ترسيخ الهيمنة فى العالم، وتحقيق مغانم اقتصادية هادئة، بالاستحواذ على ثروات وموارد، ومقدرات بعض الدول، .. وبقراءة الواقع نجد أن جل سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وإن بدت تشير إلى ما قاله الرئيس ترامب، «إعادة أمريكا العظيمة» ولكن أرى أنها تستهدف الصين فى الأساس وقطع الطريق عليها ثم تأتى بعدها روسيا بشكل أقل، والتى جرى إشغالها بأوكرانيا، لكن واشنطن تدير حروباً لا شرعية لها، وليس دفاعاً عن النفس، ولايحكمها القانون الدولي، ولم تخرج بقرارات أممية أو مجلس الأمن، ولكنها تجسد بشكل واضح الاحتكام للقوة بمبررات ذاتية، وذرائع تبدو للعقول واهية، وصفها البعض بسياسات البلطجة الدولية، فالتدخل فى شئون الدول بمنطق القوة، لم تقره شرعية أو قانون ولكن مصالح ونفوذ وهيمنة، وحرب متعددة الأهداف على النفط والغاز والمعادن النادرة، والسيطرة على الممرات البحرية تستهدف حصار الصين وقطع الطريق عليها والواقع وما يحدث يؤكد ذلك، من فنزويلا إلى جرينلاند إلى إيران، حتى وإن وجدت أهداف أخرى منها.
التخلص من القوى المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية أو تلك التى تحقق أهداف إسرائيل فى تحقيق أوهام وأطماع والتوسع من أجل إسرائيل الكبرى، لكن فى الأساس «واشنطن» تسعى لتحقيق أهدافها الإستراتيجية فى اصطفاف التجدد والنفوذ والصعود الصينى، والذى بات يتغلغل فى مناطق حيوية وإستراتيجية فى العالم بسياسات مختلفة عن التوجهات الأمريكية. فبكين تتعامل من خلال شراكات اقتصادية، ولاتفرض سياساتها على أى دولة.. ولا تتدخل فى شئونها فقط كمعتمد على التعاون الاقتصادى والاستفادة المتبادلة من موارد وثروات هذه الدول، لاستثمارها فى صناعاتها المتقدمة ومواصلة الصعود الاقتصادى الذى بات يقض مضاجع الولايات المتحدة التى انتبهت إلى خطورة الصعود الصينى المتنامى، واقتراب تربعها على النظام الاقتصادى فى العالم، ومن هذا المنطلق فإنه من المتوقع أن تحاصر واشنطن النفوذ الصينى، ومحاولات قطع الشرايين الاقتصادية والنفطية ورصيدها من المعادن النادرة التى تدخل فى صناعات إستراتيجية وتكنولوجية متقدمة مثل صناعة السلاح، والصواريخ، والرقائق الإليكترونية، والصناعات، خاصة أن الصين باتت تستحوذ على 90 ٪ من موارد المعادن النادرة.. وباتت الشركات الأمريكية تشعر بقلق بالغ، خاصة أن بكين هى المتحكم فى الصناعات النادرة.. من هنا وللأسباب تتحرك أمريكا فى حرب اقتصادية ضد الصين بدأت برفع الرسوم الجمركية، ثم الوصول إلى مناطق النفوذ الاقتصادى الصينى، وأيضاً ضرب المصالح الصينية والسيطرة على الممرات البحرية، وإيقاف المشروعات الصينية فى مناطق شتى فى العالم، وعزل الصين عن حلفائها لذلك لا تستبعد أن هناك جولة أمريكية بسياسات طائشة ربما تستهدف القارة الإفريقية وهى مسألة وقت بعد الانتهاء من فنزويلا وجرينلاند وإيران لأن التواجد الصينى فى أفريقيا بالإضافة إلى ما تزخر به القارة السمراء من ثروات وموارد.
وإذا قرأنا ما حدث فى فنزويلا، نجد أنه هناك أسباباً وأهدافاً كثيرة دفعت الأمريكان لتنفيذ هجومهم على كاراكاس، واعتقال مادورو حليف روسيا والصين، ومخزن المعلومات المهمة، والمناوئ للسياسات الأمريكية إلى أن اعتماد الصين بنسبة كبيرة على النفط الفنزويلى وتتمتع فنزويلا بثروات طائلة من النفط وتمتلك منه أكبر احتياطى فى العالم، إضافة إلى احتياطى من الغاز يحل رابعاً على مستوى العالم، كذلك ثروات طائلة من المعادن النادرة، وقطع الطريق وتعطيل الشرايين المهمة للاقتصاد الصينى، التى تستورد يومياً من فنزويلا 940 ألف برميل من النفط، وبالتالى تريد واشنطن السيطرة والتحكم فى فنزويلا، لإقصاء الصين منها، وأيضاً قطع أوردة العلاقات السرية بين روسيا وفنزويلا أوما بين «مادورو، وبوتين».
نفس الأمر ينطبق على جزيرة جرينلاند الدنماركية والتى يسعى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب السيطرة عليها كما أعلن بشكل واضح بأى طريقة حتى لو بالسلاح وهى جزيرة إستراتيجية، غنية بالموارد والثروات النفطية والمعادن النادرة، وهناك تعاون صينى واضح مع الجزيرة، وتستفيد بكين من ثرواتها كما أعلن ترامب أن ضم «جرينلاند» للسيادة والسيطرة الأمريكية يتعلق بالأمن الوطنى الأمريكى وفى هذا الأمر ليس حصاراً ومحاولات لطرد الصين من الجزيرة ولكن أيضاً تسبب فى إزعاجاً وقلقاً بالغاً لدى أوروبا والتى أكدت أن هذا الأمر يعد تدخلاً سافراً ويخلق اضطرابات ويهدد وجود حلف الناتو، وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسى حادة فيما يتعلق بهذا الأمر، حيث حذر من عواقب غير مسبوقة إذا أقدمت واشنطن على ضم الجزيرة وأن المساس بسيادة حليف أوروبى سيؤدى إلى تداعيات متتابعة غير مسبوقة، وأكدت دول حليفة للدنمارك فى حلف الناتو وهى دول أوروبية كبرى إضافة إلى كندا دعمها للدنمارك وأن الدنمارك وجرين لاند هم أصحاب الحق فى رسم العلاقة بينهما.
لا تختلف أسباب تهديدات أمريكا لإيران كثيراً عن أسبابها لهجومها على فنزويلا، والسعى لضم جزيرة جرينلاند بالقوة السهلة أو الصعبة، فإيران حليف إستراتيجى للصين، وتحصل بكين على النفط الإيرانى المحاصر والمعاقب أمريكياً وغربياً بأسعار خاصة تقل عن الأسعار العالمية إضافة إلى أن التحالف الصينى الإيرانى يمثل تهديداً للنفوذ الأمريكى فى الشرق الأوسط.. وترغب واشنطن فى السيطرة على الجغرافيا والممرات الإستراتيجية ووأد التهديد الإيرانى ضد إسرائيل، لكن تبقى فى صدارة كل ذلك ضرب النفوذ والتمدد الصيني، وقطع الطريق، ومحاولات تغيير النظام الإيرانى بنظام موال ومستأنس ومؤيد لأمريكا ويخضع لأومراها وسياساتها.. وبالتالى المخطط الأمريكى بات واضحاً فى ظل التحرك على أرض الواقع من فنزويلا إلى جرينلاند التى يقع ثلثها فى القطب الشمالى والذى يعد ساحة للتنافس بين أمريكا والصين وروسيا.
ربما تتخلى الصين عن سياساتها الدبلوماسية الناعمة، وتواجه المخطط الأمريكى الذى يستهدف صعودها ومشروعها وهذا يحمل نذر احتمالات حدوث مواجهة عالمية.









