سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح فى هذه المرحلة الدقيقة من عمر الوطن، ليس من باب الجدل ولا المكايدة، وإنما من باب القلق الصادق على المسار والمصير: من يقتفى أثر الرئيس؟ ومن يسير فعلاً على ذات الطريق الذى اختاره رأس الدولة طريقًا للإصلاح والبناء والتجرد والعمل من أجل الله والوطن؟
>>>
حين ننظر إلى المشهد العام، نجد رئيسًا يعمل بلا كلل، يتحرك فى كل الاتجاهات فى آنٍ واحد، يفتح ملفات كانت مغلقة لعقود، ويتعامل مع الدولة باعتبارها كيانًا حيًا متكاملاً لا جزرًا منعزلة. رؤية شاملة، وإرادة سياسية واضحة، وسعى دءوب لتثبيت أركان دولة حديثة قادرة على الصمود والمنافسة. لكن السؤال المؤلم: هل يواكب هذا الجهد الرئاسى جهدٌ مماثل من بقية المسئولين فى مواقعهم المختلفة؟
>>>
بحكم الاحتكاك اليومى بمختلف فئات المجتمع ومستوياته، تتكشف صورة غير مريحة لحالة من التفتت التوعوى والتشرذم الثقافى وغياب الرؤية لدى عدد غير قليل من المسئولين. الأخطر من ذلك ليس غياب الكفاءة وحدها، بل غياب الإحساس بالصورة الكاملة للدولة. كثيرون يرون أنفسهم فقط داخل الإطار، لا ينظرون إلى الإطار نفسه. المنصب عند بعضهم غاية لا وسيلة، والوظيفة امتياز لا تكليف، والكرسى مركز صورة لا مركز مسئولية.
>>>
تجد مسؤولاً لا يرى أبعد من حدود مكتبه، ولا يهتم إلا بترتيب أخباره وصوره وتصريحاته، فى حين تتراجع أخبار المؤسسة نفسها إلى المرتبة الثانية، وتغيب مصلحة الدولة كليًا عن الحسابات. لا يسأل: ماذا تفعل الجهة المجاورة؟ ولا كيف نكمل بعضنا البعض؟ ولا أين تتقاطع اختصاصاتنا؟ ولا كيف نخدم الهدف الوطنى الأكبر؟ وكأن الدولة ليست منظومة واحدة، بل كيانات متجاورة لا رابط بينها إلا الجغرافيا.
>>>
وهنا يبرز التناقض الصارخ: رئيس ينظر بعين تلسكوبية بعيدة المدي، ومسئولون كثر ينظرون بعدسة ضيقة لا ترى إلا التفاصيل الصغيرة، بل أحيانًا الذات فقط. الرئيس يتعامل مع موقعه باعتباره رسالة تاريخية، بينما يتعامل البعض مع مواقعهم باعتبارها وظيفة إدارية تنتهى بانتهاء الدوام. الرئيس يتحرك بمنطق «الدولة أولاً»، بينما يتحرك آخرون بمنطق «المنصب أولاً».
>>>
لا يمكن لدولة أن تتقدم إذا لم تتوحد الرؤية بين قمتها وقاعدتها التنفيذية. لا يمكن لقطار الوطن أن يصل إلى محطته المنشودة إذا كان السائق يعرف الاتجاه، بينما يختلف مساعدوه على الخريطة أو لا يهتمون أصلاً بالوجهة. السؤال الجوهرى هنا: هل يعرف كل مسؤول أين نحن الآن؟ وفى أى مرحلة نقف؟ وإلى أين نريد أن نصل؟ أم أن هذه الأسئلة لا تشغل باله طالما أن مقعده آمن؟
>>>
لسنا بصدد تعميم ظالم، فهناك نماذج مشرفة لمسئولين يعملون بإخلاص، ويفهمون معنى الدولة، ويتحركون فى إطار الرؤية العامة، ويؤمنون بأن المنصب أمانة لا تشريف. لكن هذه النماذج، للأسف، لا تزال أقل من المطلوب فى لحظة تحتاج إلى اصطفاف كامل خلف مشروع وطنى جامع.
>>>
نحن على أعتاب مرحلة جديدة: برلمان جديد، وحكومة منتظرة، وتغييرات شاملة فى مواقع متعددة. وهى فرصة حقيقية لإعادة ضبط البوصلة، وتجديد الدماء، وتأكيد أن معيار الاختيار هو القدرة على الفهم الشامل، والعمل بروح الفريق، والالتزام بمسطرة الدولة المستقيمة، لا مسطرة المصالح الضيقة.
>>>
إن المسطرة الواضحة للرئيس، ونظرته الثاقبة، ونهجه القائم على العمل والإيمان والصبر، يجب أن تكون النموذج الذى يُحتذى، لا الاستثناء الذى يُصفق له ثم يُترك وحيدًا فى الميدان. فالرئيس مهما بلغ إخلاصه وقدرته لا يستطيع أن يحمل الوطن وحده، والدولة لا تُبنى بجهد فرد، بل بتكامل مؤسسات ورجال دولة يعرفون معنى المسئولية.
>>>
وفى الختام، لا نملك إلا الدعاء بأن يوفق الله كل من تولى أمرًا من أمور هذا الوطن، وأن يجعل المسئولية زادًا للإصلاح لا مطية للمصلحة، وأن يرزقنا مسئولين يقتفون أثر الرئيس فعلاً لا قولاً. وإن كانت هناك دعوة مستجابة، فلتكن أن يحفظ الله مصر، ويسدد خطى قائدها، ويهدى من حوله ليكونوا على قدر الأمانة والتاريخ









