فى مقال الخميس الماضى بعنوان «دقت ساعة نظام عالمى جديد» أوضحت أن ما جرى فى العالم من أحداث خلال العام المنتهي- 2025- كان صراعاً من جانب النظام العالمى القائم والذى تنفرد الولايات المتحدة بقيادته للدفاع عن نفسه ضد القوى الصاعدة الجديدة، وفى مقدمتها دول مجموعتى «بريكس» و»العشرين» التى ترفع فى وجهه شعار نظام عالمى جديد متعدد الأطراف، عادل ومنصف وفى إطار القواعد المستقرة للقانون الدولى والعلاقات الدولية، مع تشجيع دول العالم للتعامل التجارى فيما بينها بعملاتها الوطنية بديلا عن الدولار.
ودعوت دول المجموعتين إلى استعادة تماسكهما وإلى تعزيز نهجهما السلمى فى تكريس دعوتهما لنظام عالمى جديد والمضى بها قدما فهذه أفضل لحظة لاستجابة أكبر عدد من شعوب وحكومات العالم لها، بعد أن أثبتت أحداث عام مضى وبدء عام جديد، أن المجتمع الدولى أشد ما يكون احتياجا اليوم لذلك، وبالطرق السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وليس بغيرها.
ان الساحة العالمية مفتوحة اليوم أمام دول المجموعتين الداعية لنظام عالمى جديد للتحرك الفردى والجماعى لتفعيل هذه الدعوة، ومهيأة تماما للترحيب بهذا التحرك حال حدوثه والاستجابة له والانضمام لصفوفه.
ولعل أحد أقوى أسباب انفتاح الساحة العالمية وتهيؤها لمثل هذا التحرك، هو الاندفاع المتهور لقيادة النظام الحالي- الولايات المتحدة- فى ظل إدارتها الحالية لاتخاذ خطوات خارج نطاق القانون الدولى والعلاقات الدولية، بل وحتى علاقات الصداقة والشراكات الإستراتيجية والتحالفات العسكرية، للاستئثار عنوة على ثروات الشعوب والتحكم فى مصائرها من أجل مصلحتها وحدها المتمثلة فى شعاري: أمريكا عظيمة مجدداً، وفرض السلام من خلال الحرب.
فمن غزة إلى الصومال إلى أوكرانيا إلى جرينلاند إلى التهديدات الموجهة لشعوب وحكومات أخرى من مختلف قارات العالم، وقع النظام العالمى القائم وقيادته فى أخطاء أثارت الاضطراب فى علاقاته الدولية، ومخاوف جماعية مما هو قادم فيها لو استمر على هذه الوتيرة التى لم يشهد العالم مثيلاً لها من أى قوة منفردة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولعل أبرز مثال على ذلك، أن التحالف الغربى المتمثل فى الولايات المتحدة وأوروبا والذى ظل قوياً وصاعداً ومتماسكاً منذ تلك الحرب على أساس ما سمى بـ«قيم الحضارة الغربية» المشتركة والذى نجح بفضل قوته وتماسكه فى القضاء على المعسكر الشرقى وتفكيكه بما فيه قيادته المتمثلة فى الاتحاد السوفيتي.. هذا التحالف لم يعد تحالفاً بالمعنى الذى استقر عليه منذ بداية الحرب الباردة حتى اليوم.
أوروبا الآن تقول «لا» للإدارة الأمريكية ليس فقط لشبهة انحيازها لمطالب روسيا لإنهاء الحرب فى أوكرانيا وهى مطالب ترفضها أوكرانيا وأوروبا بل أيضاً لتجديد الإدارة الأمريكية لرغبتها المعلنة للاستيلاء على جزيرة «جرينلاند» التابعة لمملكة الدانمارك ولو بالقوة العسكرية وهى سابقة لم تحدث بين دولتين عضوين فى حلف الأطلنطى وفى المؤسسين له وهما الولايات المتحدة والدانمارك.
لقد وحدت الحرب الروسية فى أوكرانيا التحالف الغربى بقيادة الولايات المتحدة فى عهد الرئيس بايدن خلف أوكرانيا وعندما طرحت الإدارة الأمريكية مشروعها لإنهاء الحرب، انقسم التحالف أو كاد.. وتلعب روسيا بوتين اليوم دوراً لتعزيز هذا الانقسام من خلال قضية «جرينلاند» حيث تدفع الرئيس ترامب للإسراع بضم الجزيرة بتصريح واضح على لسان «ديمترى ميدفيديف» نائب رئيس مجلس الأمن الروسى أول أمس والذى قال فيه: «إن سكان جرينلاند قد يصوتون للانضمام لروسيا فى أى استفتاء لتقرير مصير الجزيرة إذا لم يتحرك الرئيس الأمريكى على وجه السرعة لضمها»!!
أكثر من ذلك فإن توجه الإدارة الأمريكية للاستيلاء على الجزيرة أثار انقساماً داخليا فى أمريكا نفسها، وتجلى ذلك فى مشروع قانون يمنع الإدارة من الاستيلاء على الجزيرة أو امتلاكها بأى صورة من الصور السلمية أو غير السلمية وحماية سيادتها وهو مشروع قدمه نائب ديمقراطى فى مجلس النواب وسبق أن فرض الكونجرس قيوداً الأسبوع الماضى على أى تحرك جديد للإدارة يمس سيادة فنزويلا.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى أن تشاركها القوى الفاعلة والمؤثرة فى العالم دورها فى إثارة الفوضى والاضطراب فى العالم، فخرجت بتصريح حول قضية الصين وتايوان يقول، «ان الرئيس الصينى «شى بينج» هو من يقرر مصير تايوان» فى محاولة لاستدراج الصين لكى تفعل بتايوان ما فعلته أمريكا فى فنزويلا، فكان رد الصين قاطعاً وحاسماً برفض أى تدخل أجنبى فى هذه القضية.
هكذا تبدو الساحة العالمية، على الأقل لمن يتابعها من الخارج، أمريكا منقسمة من الداخل حول تحركات عديدة على مدى العام المنتهى وخلال الأسبوعين الأولين من يناير الحالي.
التحالف الغربى معرض للانقسام على خلفية مشروع إنهاء الحرب الأوكرانية ومشروع الاستيلاء على جزيرة جرينلاند ولأسباب أخرى عديدة تخص العلاقات الاقتصادية والتجارية والدفاعية بين أوروبا والولايات المتحدة فى ظل الإدارة الأمريكية الحالية.
شعوب عديدة فى العالم تجتاحها مخاوف عميقة من الجموح الأمريكى الحالى الخارج عن السيطرة والذى يجعل من الصعب التنبؤ بما يحمله المستقبل.
شعوب عديدة فى العالم أضرتها بشدة قرارات الإدارة الحالية بوقف وكالة التنمية الدولية الأمريكية ومساعدتها لهذه الشعوب وبالانسحاب من 66 منظمة عالمية على رأسها منظمة التجارة العالمية بدعوى أن أمريكا لا تستفيد شيئا من وراء عضويتها لها.
أكرر.. الساحة العالمية منفتحة على أى تحرك يدعو لنظام عالمى جديد متعدد الأطراف ومهيأة للتفاعل معه.
ولكى يكون هذا التحرك فعالاً يحتاج أن يكون جماعياً وسلمياً وأن تكون له قيادة ترى مصلحتها الوطنية فى إطار نظام عالمى متعدد الأطراف وليس حكراً على طرف واحد ولمصلحته وحده.
لقد قال لنا التاريخ إن النظام العالمى لا يتغير إلا من خلال حرب عالمية وهو ما حدث فى القرن الماضى مرتين فى الحربين العالميتين الأولى والثانية، لكن من الممكن التطلع إلى إصلاح جذرى للنظام القائم يقضى على انفراد قوة واحدة بقيادته ويحقق تعدد أطرافه لأن أى حرب عالمية جديدة لن تنسف النظام العالمى الحالى فقط، بل لن يكون هناك عالم بعدها أصلاً.
على كل القوى الرافضة للنظام العالمى القائم أن تتحرك وأن تعلى قواعد القانون الدولى والعلاقات الدولية على الفوضى والاضطراب وعلى الشعوب أن تتخلى عن مخاوفها وأن تكون قوة دافعة لتحركها من أجل عالم أفضل يستحق البقاء والعيش فى ظل ما حقق للبشرية من منجزات ايجابية.









