البرلمانات القوية تصنع الفارق فى حياة الشعوب والدول؛ فهى بمثابة ضمير حيّ يحفظ للوطن مقدراته، وينمّى موارده، ويصون حقوق مواطنيه، ويسهر على تلبية احتياجاتهم، ويدعم صاحب القرار بالمشورة الصائبة التى تستلهم روح العلم وتواكب متغيرات العصر. ومن هنا، لم يكن البرلمان يومًا مجرد مؤسسة تشريعية، بل أحد أعمدة الاستقرار السياسى والاجتماعي، وميزانًا دقيقًا للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
فماذا يريد المواطن اليوم من البرلمان والحكومة والأحزاب؟ وأى أدوار ينتظرها الناس من مؤسساتهم فى لحظة تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية مع تحديات إقليمية ودولية متسارعة؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة على أسس من المصارحة والمسئولية المشتركة؟
هذه الأسئلة لم تعد ترفًا سياسيًا أو نقاشًا نخبويًا معزولًا عن الواقع، بل صارت تعبيرًا صادقًا عن شواغل يومية يعيشها المواطن، وهو يواجه ضغوط المعيشة، وتقلبات الأسواق، ومخاوف المستقبل فى ظل ما يراه من تقلبات وتحولات عاصفة فى المشهد الدولى والإقليمي. فالمواطن لا يطلب أكثر من إشباع احتياجاته من تعليم جيد وصحة عفية وفرص عمل تفتح آفاق المستقبل أمام أبنائه، ولا ينتظر حلولاً سحرية، بقدر ما ينتظر رؤية واضحة متماسكة، وإحساسًا حقيقيًا بأن معاناته حاضرة فى وجدان الحكومة على كل مستوياتها.
أما البرلمان، بغرفتيه النواب والشيوخ، فلم يُنشأ ليكون مساحة للخطابة أو المجاملة السياسية، بل ليكون ترجمة حقيقية للإرادة الشعبية، وعينًا رقابية فاعلة على أداء الحكومة، وشريكًا أصيلاً فى صياغة تشريعات عادلة ومتوازنة تمس حياة الناس مباشرة. والسؤال الذى يفرض نفسه بهدوء: إلى أى مدى نجح البرلمان فى أداء هذا الدور، وإلى أى حد استطاع أن يعبر عن نبض الشارع وهمومه المتغيرة؟
وإذا كان البرلمان يراقب الحكومة، والإعلام يتابع البرلمان، فإن هناك إطارًا أخلاقيًا جامعًا يعلو فوق الجميع، يذكّر بأن العمل العام أمانة، وأن كل مسئول – مهما علا موقعه – خاضع لرقابة الضمير قبل رقابة المؤسسات، مصداقًا لقوله تعالي: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ».. وهى آية تؤسس لمعنى عميق مفاده أن قيمة العمل العام لا تُقاس بكثرة التصريحات، بل بصدق الإنجاز وأثره فى حياة الناس.
اقتصاديًّا.. تتجه أنظار المواطن إلى قدرة الحكومة والبرلمان معًا على التعامل الرشيد مع قضايا شديدة الحساسية، مثل إدارة الدين العام، وترشيد الإنفاق، وتحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح وحماية الفئات الأكثر تأثرًا. فالإصلاح الاقتصادي، مهما بلغت ضرورته، لا يكتمل إلا حين يشعر المواطن بعدالته، ويطمئن إلى أن أعباءه موزعة بصورة منصفة، وأن ثماره ستنعكس عليه فى صورة خدمات أفضل وفرص عمل أوسع وتحسن تدريجى فى مستوى المعيشة. وهنا يبرز الدور المحورى للبرلمان فى مراجعة السياسات، ومتابعة تنفيذ التوصيات، وتحويل الخطط إلى نتائج ملموسة، انطلاقًا من قوله تعالي: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا».
أما التحديات الجيوسياسية المحيطة، فإنها تفرض واقعًا لا يحتمل التراخى أو الانقسام. فموقع الدولة ودورها الإقليمى يفرضان برلمانًا واعيًا بطبيعة المرحلة، قادرًا على دعم القرار الوطني، وتثبيت الثوابت، وتعزيز التماسك الداخلي. فالأمن القومى لا يُصان بالقوة وحدها، بل بالوعي، وبجبهة داخلية متماسكة، وبخطاب عقلانى يقطع الطريق على محاولات الاستقطاب وبث الشكوك.
وفى هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الأحزاب السياسية، التى تظل – رغم كل التحديات – ركيزة أساسية لأى حياة سياسية صحية. فالمطلوب ليس تعدد الكيانات بقدر ما هو فاعليتها، وقدرتها على إفراز كوادر مؤهلة، وصياغة برامج واقعية، وممارسة الديمقراطية داخل صفوفها قبل المطالبة بها فى المجال العام. فالأحزاب القوية لا تنافس الدولة، بل تدعمها، وتثرى المجال العام، وتوسع دوائر المشاركة.. وأحزابنا مدعوة اليوم أكثر من أى وقت مضى إلى زيادة التفاعل مع الشارع وفتح حوارات معمقة حول الشواغل والتحديات والطموحات، ومدعوة للتوحد وإعادة الاندماج لتتشكل بنية سياسية قادرة على إقناع المواطن بأنه لا يزال عندنا أحزاب قادرة على استعادة ثقة المواطن وإدارة السياسة بلغة العصر.
ولا يقل ملف التواصل مع المواطنين أهمية عن أى تشريع أو سياسة اقتصادية. فالمواطن فى حاجة دائمة إلى خطاب صريح، مبسط فى لغته، عميق فى مغزاه، يضعه أمام حقائق ما يجرى حوله أولاً بأول، حتى لا يُترك نهبًا للشائعات والمغالطات. وبناء رأى عام واعٍ لا يتحقق إلا بالمصارحة والشرح والتوضيح، وهى عناصر أساسية فى حماية الجبهة الداخلية من الوعى الزائف الذى يشكل خطرًا حقيقيًا فى أوقات الأزمات.
إن الحوار المنتظم بين البرلمان والحكومة من جهة، والمواطنين من جهة أخرى، يعزز الثقة ويعمق الإحساس بالشراكة. فحين يخرج المسئول إلى الناس، أيًا كان موقعه، يستمع إليهم بقدر ما يخاطبهم، ويترجم الرؤى والتوجيهات إلى سياسات ملموسة، تتسع دوائر التفاهم، ويتحول الشعور بالانتماء إلى طاقة عمل إيجابية. وقد قال الله تعالي: «وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ»، وهى دعوة صريحة للشفافية وعدم حجب الحقائق.
المواطن لا ينتظر وعودًا كبري، بل أداء جاد وجيد، وتكاملا بين المؤسسات، واستشعار حقيقى للمسئولية. فحين يتحول البرلمان والحكومة والأحزاب إلى ساحات دراسة وحوار وتقييم، تُسهم فى دعم صانع القرار وتلبية طموحات الناس، يصبح عبور هذه المرحلة ممكنًا بثقة وتماسك، ويغدو الأمل فى حياة أفضل مشروعًا واقعيًا يستند إلى العمل، لا إلى الخطاب.
ويبقى الأمل معقودًا على أن يتخذ البرلمان الجديد خطوات تعبر بحق عن الناس، وأن يكون قادرًا على تحويل الثقة التى نالها وخصوصًا المستقلين الذين زاد عددهم داخل مجلس النواب إلى أداء تشريعى ورقابى يخفف من أعباء الحياة، ويدعم مسار التنمية، ويحافظ على استقرار الدولة. فالمواطن سيظل الرقيب الأول وربما الأخير، ورضاه عن الأداء هو الميزان الحقيقى للنجاح. وكلما كان التقييم مستمرًا، والتواصل حيًا، كان التلاحم أقوي، والظهير الشعبى أصلب، وهو ما لا غنى عنه لعبور هذه المرحلة الدقيقة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدلاً وأملاً.
نريده برلمانا يشرع لصالح المواطن. ويراقب أداء الحكومة بجد.









