لا شك أن الظواهر السلبية التى تسللت داخل مجتمعاتنا لم تعد وليدة الصدفة، ولا لحظة عابرة، بل هى نتاج تراكمى لعوامل متعددة ذكرنا امثلة منها فى المقالات السابقة، لعل أخطرها ما يمكن تسميته بـ»المهرجانات»، ذلك الصوت الصاخب الذى تسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، فغزا الأذن قبل العقل، والسلوك قبل الوعي، وهذا النوع الغنائى يشبه الفيروس فى قدرته على التحور والانتشار، لا يعترف بحواجز عمرية ولا ثقافية، ويجد طريقه بسهولة إلى الشارع، المقاهي، وسائل المواصلات، وحتى إلى غرف الأطفال. وعلى الرغم من انه يبدو فى ظاهره مجرد كلمات بسيطة أو إيقاعات جذابة، لكنه يخفى فى باطنه مفاهيم خطيرة، تهز القيم والأخلاق التى تربينا عليها .
وللأسف أسهمت هذه الموجة فى ترسيخ مصطلحات جديدة، لا تنتمى إلى اللغة الأم ولا قاموس القيم، بل تغذى روح الصراع والكراهية، وتعزز من شأن العنف اللفظى، والأنانية، والتفاخر الأجوف، حيث إنها كلمات تتكرر بلا معنى حقيقي، لكنها مع كثرة الترديد تتحول إلى سلوك، ثم إلى ثقافة، وتصبح فى النهاية نمط حياة .
الخطر هنا لا يكمن فى الموسيقى ذاتها، بل فى معنى الرسائل التى تحملها، وفى ما تزرعه داخل النفوس من انحدار أخلاقي، وبالتالى التطبيع مع مفردات الإسفاف، وكل هذا حتى يصبح القبح مألوفاً، والابتذال طبيعياً، واللغة الراقية غريبة عن أصحابها.
إن الانحراف لا يبدأ بموضوع كبير، بل بكلمة ثم جملة معزوفة على لحن، ثم فكرة تتسلل إلى العقل دون مقاومة، وحين يغيب الوعي، تتحول الحرية الفنية إلى فوضى، ويضيع الفرق بين التعبير والإفساد، وبين الجرأة والتجريح .
المختصر المفيد أننا لسنا فى حرب مع الفن، فالفن الحقيقى كان وسيظل مرآة للروح ورافعة للذوق العام، لكننا فى تحد مع ما يشوه الفطرة ويُبعد الإنسان عن قيمه الأصيلة، نحن بحاجة إلى وقفة صادقة، نعيد فيها النظر فيما نستهلكه، ونسمعه، ونردده دون تفكير، ففى زمن الضجيج، يصبح الوعى فعل مقاومة.









