ليس صدفة أن تذوب جبال الجليد فى جرينلاند بسرعة قياسية.. هذه القلنسوة البيضاء العملاقة التى تمثل رأس الكرة الأرضية.. إنها أكبر جزيرة فى العالم، وأقلها سكاناً، وأكثرها غموضاً.. هى جسد هائل نائم تحت بطانية ثلجية سميكة، يبدأ الآن بالاستيقاظ، وهذا لم يلفت فقط انتباه علماء البيئة، بل أيقظ شهية الاستراتيجيين فى عواصم القرار الكبري، وعلى رأسها واشنطن.
المفارقة التاريخية أن هذه الأرض القاسية، التى وصفها المستعمرون بالإقليم «العقيم»، تحولت إلى واحد من أهم الخزائن الأرضية فهى حبلى بـ: معادن الأرض النادرة، التى فيها مفتاح السيطرة على القرن الحادى والعشرين، ففى أعماق صخورها، تقبع كنوز لا تقدر بثمن: «التربيوم، النيوديميوم، الديسبروسيوم»، أسماء غريبة، لكنها دماء التكنولوجيا الحديثة.. من الهواتف الذكية إلى الطائرات الشبحية، والصين تهيمن اليوم على 80 ٪ من إنتاجها العالمي، تشكل «ورقة ضغط» جيوسياسية تزعج واشنطن.. وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية إلى احتياطيات هائلة من البترول والغاز تقبع تحت الجرف القاري، قد تصل إلى مليارات البراميل.. وبها كميات كبيرة من المياه العذبة.. فحين يذوب جليد جرينلاند، لايتحول إلى ماء مالح، إنه كنز من المياه العذبة، قد يصبح سلعة استراتيجية فى عالم يعانى من الشح، انا عن الموقع الاستراتيجي، فهى عين تراقب الممرات بين أوراسيا وأمريكا الشمالية.
واشنطن من جانبها لا تخفى رغبتها فى السيطرة على «جرينلاند».. والتهديد الأمريكى هنا ليس بالضرورة دبابات على الشواطئ، بل هو مزيج أكثر دهاءً يشمل: «الاستثمار والشراكة»، من خلال ضخ الأموال عبر شركات أمريكية لربط الاقتصاد الجرينلاندى الناشئ ببورصة وول ستريت، وكذلك الدبلوماسية المكثفة.. فقد تم افتتاح قنصلية فى العاصمة نوك «وهو حدث لافت لمستوطنة لايتجاوز سكانها 20 ألف نسمة»، وزيارات متكررة لكبار المسؤولين.. بهدف تعزيز وجود قواعد مثل «ثول» الأمريكية «أقدم قاعدة أمريكية فى القطب الشمالي»، وتحويلها من موقع للإنذار المبكر إلى مركز للعمليات فى القطب المتجمد الشمالى.. كما تقدم واشنطن نفسها كشريك بديل عن بكين أو موسكو، مستخدمة ورقة «الأمن القومي» لإقناع حكومة نوك الذاتية الحكم والدنمارك.
السؤال الذى يلوح فى الأفق البارد: هل ستنجح هذه الجزيرة الصامدة فى المحيط المتجمد فى التحول من ساحة لصراع الآخرين إلى فاعل يحقق مصلحة شعبها؟، أم أنها ستذوب سياسياً كما يذوب جليدها، تحت وطأة أطماع من لا يهمهم إلا الكنز، بينما يدفع سكانها الثمن؟
Email:[email protected]









