لأسباب عديدة تأتى القاهرة فى قلب الأحداث العربية والإفريقية وفى قلب التطورات الدولية التى تشير كلها إلى أن العالم يتجه إلى المزيد من العنف والصراع، ومن ضمن الأسباب التى جعلت الجميع يعول على مصر وعلى جهودها الدبلوماسية لإطفاء الحرائق المشتعلة ببعض دول المنطقة، هى الثقة المطلقة فى نبل المقصد المصرى،، والشفافية والوضوح اللذان يتمتع بهما المفاوض المصري، إلى جانب التمسك بالأهداف القومية الجليلة التى أعلنت عنها ثورة يوليو 1952 بما فيها: القضاء على الاستعمار وحق الشعوب فى الحرية والاستقلال والحق فى التنمية والرخاء، اللافت هنا أن سياسة مصر تجاه أشقائها العرب والأفارقة لم تتغير رغم مرور أكثر من سبعة عقود على مبادئ يوليو، اللافت أيضا أن التدخلات الخارجية والأطماع الاستعمارية لم تتوقف وإن اتخذت أشكالاً مختلفة عما كانت عليه فى عقود سابقة.
>>>
وحقيقة فإن القاهرة تواجه حالياً واقعاً أكثر صعوبة فى بعض الدول العربية والإفريقية الشقيقة مقارنة بفترات التحرر السابقة، فقد كانت القضية الأساسية لكل دولة «أنذاك» هى الاستقلال والتخلص من الاستعمار، بينما فى واقعنا الحالى تضاعفت الأزمات بين الدول وبعضها وفى الوضع الداخلى لكل دولة نتيجة الخلافات الحدودية والقبلية والعرقية التى خلفها الاستعمار وكانت سبباً فى اشتعال الحروب وافتقاد الأمن والاستقرار وغياب التنمية، فى المقابل فإن القاهرة التى عانت على مدار عقود من التآمر والمخططات الاستعمارية، نجحت وبدرجة كبيرة فى حماية حدودها والحفاظ على استقلالية قرارها، والدليل على ذلك أن مصر خاضت أربعة حروب (48، 56 ، 67، 1973) من أجل الانتصار للقضية الفلسطينية والحفاظ على سيادة مصر وكرامتها ونجحت فى تحقيق ذلك، أيضا فإن المصريين لم يسمحوا بأن تضيع بلادهم عقب أحداث يناير 2011، ولم يسمحوا لجماعة الإخوان الإرهابية أن تختطف مصر أو أن تحكم لمصلحة «الأهل والعشيرة»، فكانت ثورة 30 يونيو 2013 التى أنهت تماما وجود الجماعة، وأنقذت مصر من مخططات التقسيم والفوضى والحرب الأهلية.
>>>
أبعاد أخرى تزيد من عمق الإدراك لمكانة القاهرة وخصوصيتها فى قلوب شعوب المنطقة وهى المتعلقة باستقبال مصر لملايين الأشقاء للعمل والدراسة والعلاج والسياحة، ثم للإقامة الدائمة كضيوف اضطرتهم ظروف بلادهم الصعبة للقدوم إلى مصر والعيش فيها وهنا نتوقف عند بعض الملاحظات المهمة وهي:
> أن استضافة مصر للأشقاء العرب والأفارقة ليست وليدة السنوات الأخيرة فقد كانت مصر فى مقدمة الدول التى استقبلت الأشقاء الفلسطينيين فى حقبتى الخمسينيات والستينيات، ومازالت تستقبل أعداد كبيرة منهم للدراسة والعلاج.
> أن هناك عدداً كبيراً من الأشقاء الأفارقة يعيشون فى مصر منذ سنوات طويلة، كما أن البعثات الدراسية التى ينظمها الأزهر الشريف كل عام جعلت القاهرة عاصمة العلم للشعوب الإفريقية والآسيوية فى وقت واحد.
> أن الصراعات التى عصفت بالأشقاء فى العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان، جعلت مصر والقاهرة بالتحديد، مهبط للملايين من أبناء هذه الدول بعدما وجدوا فيها الراحة والأمان.
> أن بضعة ملايين من أشقائنا من دول الخليج باتوا يرون فى مصر مكانا آمنا ومتنوعا مليء بالصخب والحياة، ومن ثم فقد فضلوا الإقامة بمصر معظم شهور السنة على أن يعودوا لبلادهم فى مواسم الأجازات والأعياد.
>>>
فى لقائه بوفد غرف التجارة المصرية، تحدث الرئيس السورى أحمد الشرع عن مصر بشاعرية وإسهاب وكأنه كان يتحين الفرصة ليقول «لمن يحب أنا أحبك، والمقصود طبعا مصر وعشق مصر، الرئيس الشرع قال: إنه عاش على النغمة المصرية وتعلق بها ولديه شعور بالانتماء لها خاصة وأن الوالد كان ناصريا ووحدويا وكان يعارض كل الانظمة الموجودة فى سوريا التى انقلبت على الوحدة، وقال أيضاً : عشنا فى البيت على النغمة المصرية وشعور بنوع بالانتماء لها بحكم انتماءات الوالد سياسيا، وأنه فى كل مراحل التاريخ مع تحقيق نوع من التقارب المصرى السورى فإن الاستفادة لا تعود فقط على البلدين ولكن على الأمة العربية كلها.
وحقيقة فإن الرئيس الشرع رغم تأخره بعض الوقت فى إبداء هذه المشاعرالمحبة لمصر وفنها وزعمائها، إلا أنه فى النهاية عبر عن حقيقة دامغة هى أن القاهرة ومصر العروبة فى قلب وعقل كل عربى.
>>>
ملمح آخر عن القاهرة يرويه زميلنا الصحفى السودانى «الحبر عبدالوهاب» الذى تلقى تعليمه الجامعى بجامعة القاهرة وكان يسكن بجوارها إلا أن عشقه للصلاة فى مسجد الحسين جعله يأتى إلى المسجد معظم أيام الأسبوع لصلاة الفجر قبل أن يذهب إلى الجامعة، وكان الحبر يقول: «أعشق ليل القاهرة وغناء أم كلثوم وتلاوة الحصرى وابتهالات النقشبندى.. والله محظوظين ناس القاهرة».
نعم القاهرة مدينة محظوظة وقادرة ، فرغم كونها من أقدم العواصم فى العالم إلا أنها استعادت شبابها خلال السنوات القليلة الماضية فى البنية التحتية والطرق والمواصلات ، كما استعادت بريقها الفنى والثقافى إلى جانب هذه الطفرة فى التحركات الدبلوماسية التى تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن القاهرة ستظل مركزاً للتنوير ومحاربة التطرف وتحقيق الأمن والسلم الدوليين.









