كنت فى المساحة الضيقة التى تفصل بين شهيق الحياة وزفير الرحيل، الآن بدأت أدرك الزمن الهوينا، لم يكن نقل جسدى من ترابيزة الجراحة فى غرفة العمليات لقسطرة القلب بمستشفى المقطم للتأمين الصحى إلى «التروللى» للخروج للعناية المركزة بإلاجراء الطبى الروتينى، بل كان جسراً بين عالمين، لحظة فارقة تلمس فيها انتصار الحياة بالخروج من هيبة الصمت ورهبة الموت إلى ضجيج الحياة، من ضجيج الأجهزة، وصوت المقصات المعدنية والأوامر المتبادلة، وأرقام الدعامات أو ما شابه إلى التركيز الحاد الذى يكتم الأنفاس، انتقل لصمت من نوع خاص، هو صمت «الهدنة» بعد المعركة..
> أنا العائد الآن بفضل الله من مَوكب الغياب، من تلك الطاولة البيضاء، حيثُ الزمنُ يتوقفُ عند حدّ المِشرط، وحيثُ الأنفاسُ تُقاسُ بالثوانى والحذر.. أسأل نفسى وأنا أنظر لسماء الغرفة: هل انتهت المعركة؟!
– الآن، نرفعُك برفقِ الغيمة، ننقلكَ من «منصة المواجهة» إلى «سرير العودة». فى هذه اللحظة، لاتلمسُ جسداً فحسب، بل تتحسسُ انتصار الروح وهى تتشبثُ بخيط الفجر الرفيع.. يُرفع الجسد المنهك برفق وحذر من قبل سيدتين تتكاتف روحهن ليُنقلننى إلى التروللي، أشعر بأيديهن وكأنهن يحملن أمانةً غالية عادت للتو من حافة الغياب.. أشعر معهن بآثار وعى بوحدة المصير، يتحركن كجسد واحد لحماية هذا الكيان الضعيف.. فى طريقهن إلى العناية المركزة يقلن لمن يسأل من بعيد: حمدا لله على سلامته.
> تشعر بهن مع اندفاع التروللى فى ممر المستشفى الهادئ باتجاه العناية المركزة، يقدن موكباً ظافراً.. كان وقعُ العجلات على الأرضيةِ الهادئة يغنى لحنَ الطمأنينة.. ممر المستشفى الذى لا أعيه يفتحُ ذراعيه ليرحب بمسافرٍ عاد من بلادِ التخدير البعيدة.. السيدتان يقدن «زفةً» صامتة لبطلٍ خاض غمار التعب واستعاد أنفاسه.. لسان حالهن يقول: نحنُ الذين دفعنا سريرك، لم نكن ندفعُ وزناً، بل كنا نحملُ على عاتقنا دعواتِ أمٍّ رحلت منذ زمن، وأبٍ سبقها بزمن، ولهفةَ أخ وأخت وأبناء وأحبةٍ وأصدقاء ينتظرون خلف الباب الموصد.
> نعم بعد وداعك فى طرقة خارج غرفة العمليات بمسافة طويلة تركوك مجبرين لمصيرك بقولهم: لا إله إلا الله، وأنا أرد بصوت محشرج بالدموع: محمد رسول الله.. الغطاء على جسدك المنهك يدارى بعضك ويكشف بعضك، تنسحبُ منهم فى صمت وتتركُ خلفك معهم بعض ذكريات قد يتذكروها وقد لا يتذكروها، منحونى جزءاً من قلوبهم السليمة ليساندوا قلبى الواهن.
> الآن فى العودة، هواء الممرات دافئ كالحياة إذا ما قورن بالتكييف البارد فى غرفة العمليات، الدفء يلامس وجهى ليذكرنى بأننى خرجت من «الزمن المتوقف» داخل غرفة العمليات إلى زمن الحياة الواقعى.
> فى العناية المركزة ستائر سماوية تفصل بين المساحة المفتوحة.. كل شيء أبيض، الجدران والأسرة والملاءات.. اللون الأزرق يدعو للراحة، لكن الأبيض رغم نقائه يشى أيضا بلون الكفن المحمول على أجنحة ملك الموت المتربص هنا.
> بنفس الطريقة، حملوا الجسد الى المستقر لعدة أيام لأعرف عددها، إلى السرير، نفس الـ «حنوّ» الـ«فطرى» ويتجلى معهن حنو آخر فى طريقة ترتيب زجاجات المحاليل والأسلاك المتعددة التى تصلنى بعداد الحياة «المونيتور» وكأنها خيوط واصلة بالحياة لا يجب أن تُقطع.
.. وعندما بدأ المونيتور يترجم إشارات أجهزة القياس المنتظمة «النبض، التنفس»، تنطلق من صدرى تنهيدة ضعيفة غير مسموعة مغموسة بالامتنان لفريق طبى لا أعرفهم ولا يعرفوننى ولرحلة لم تنتهِ وفصل جديد وشكر للخالق إلى بث فى الحياة من جديد والرهبة من دقة تفاصيل جسد أسكنه ولا أعرفه، وقدرته العجيبة التى منحها له الخالق على التمسك بالبقاء.. الآن لم أعد مجرد «حالة جراحية»، بل أصبحت ناجياً يحمل رقما لسرير وفى جسده أثر معركة خاضها.
هنا يمتزج خليط القلق والأمل مع تسليمك كـ«الأمانة» للفريق المستلم، ينتابنى شعور بالفراغ المفاجئ بعد أن غادرك آخر أعضاء الفريق الطبى الذى تعودت عليه منذ بعض من الزمن.. نعم انتهت مهمتهم، لكن قلبك يظل عالقاً هناك، أراقب شاشة المونيتور، أدعو الله واستشفعه بالرسول أن تكتمل هذه العودة لأقول: «أنا هنا».. ممتن لأطباء وطب ليس مجرد علم، بل هو فن الحفاظ على تلك الشعلة الضعيفة «الروح» وسط عواصف المرض.. هى اللحظة التى تجعلهم فخورين بإنسانيتهم قبل مهنتهم.
> هنا يصبح صوت «المونيتور» هو الإيقاع الوحيد المسموع، عشت 96 ساعة خلف أبواب العناية المركزة لمرضى قسطرة القلب بمستشفى المقطم للتأمين الصحي، هنا يكتشف الإنسان أن «النفس» الذى يخرج ولا يعود هو أثمن ما يملك.. أربعة أيام بدأت بجلطة مباغتة ليس بينى وبينها معرفة، كان بينى والموت لحظات.
> هنا تسقط الألقاب.. لا فارق بين وزير وغفير، غنى وفقير.. هنا تذوب كل الفوارق الطبقية والاجتماعية التى نتقاتل عليها فى الخارج. فى هذا «البرزخ» الطبي، فالجميع يرتدى ذات الثوب الأزرق الباهت او المنقوش على اللحم، الجميع معلق بخيوط واهية من أجهزة التنفس والمحاليل.. وللحديث بقية.









