يقول الحق سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز: «سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ـ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» «الإسراء: ١»، ويقول سبحانه: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَي» «النجم: 1- 10».
الإسراء والمعراج قضية إيمانية بامتياز، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى الإيمان بطلاقة القدرة الإلهية، فقد أُسرى بنبينا «صلى الله عليه وسلم» من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى بيت المقدس حيث المسجد الأقصي، ثم عرج به إلى السماوات العلا، ومنها إلى المسجد الأقصى مرة أخري، ثم إلى مكة المكرمة فى ليلة واحدة، فلما أخبر «صلى الله عليه وسلم» قريشاً بذلك قالوا: كيف ذلك ونحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس شهراً ذهاباً وشهراً إياباً؟!، صف لنا المسجد، فوصفه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» كما هو، فعن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا» قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» يَقُولُ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِى قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِى الحِجْرِ، فَجَلَّى اللهُ لِى بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» «صحيح البخاري».
وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها قالت: «لما أُسرِىَ بالنبيِّ إلى المسجدِ الأقْصى أصبح يتحدَّثُ الناسُ بذلك، فارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به، و صدَّقوه، وسَعَوْا بذلك إلى أبى بكرٍ، فقالوا: هل لك إلى صاحبِك يزعم أنه أُسرِى به الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ، قالوا: أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ وجاء قبل أن يُصبِحَ؟ قال: نعم إنى لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ فى غُدُوِّه أو رَوْحِه» «أخرجه الحاكم فى المستدرك والبيهقى فى دلائل النبوة».
ولمن يجادلون فى قضية المعراج ولا يكادون يؤمنون إلا بالمحسوس أو المرئى نذكرهم بما ورد فى سورة الإسراء عن تسبيح السماوات والأرض، حيث يقول الحق سبحانه: «تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ـ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ـ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً» «الإسراء: 44»، فإذا كنا نؤمن بتسبيح السماوات والأرض دون أن نرى أو نسمع هذا التسبيح ونؤمن بذلك لدرجة اليقين فلن يكون مستغربا أبداً عندنا حديث المعراج بتفاصيله بما فى ذلك إحياء الأنبياء ولقاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته صلى الله عليه وسلم بهم طالما أننا نؤمن بطلاقة القدرة الإلهية وبالبعث بعد الموت.
وقد تضمنت سورة الإسراء نفسها رداً على منكرى البعث، حيث يقول الحق سبحانه: «وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ـ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ـ قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ـ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ ـ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً» «الإسراء: 49/ 51».
فمن كان يؤمن بالبعث بعد الموت فلن يجادل فيما دونه، لإيمانه بطلاقة القدرة الإلهية التى لا حد لها، يقول سبحانه: «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ـ قَالَ مَن يُحْيِى الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ـ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» «يس: 78/ 79».









