شهد المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط انطلاق فعاليات الموسم الرابع من مبادرة “طبلية مصر” لإحياء الأكلات الشعبية المصرية، وذلك تحت شعار “إحياء الماضي… توثيق الحاضر من أجل المستقبل”، وبالتعاون مع مؤسسة صادكو، وبحضور مجموعة من الشخصيات العامة وأساتذة الجامعات والباحثين والأثريين وعشاق التراث المصري.
استهل الدكتور الطيب عباس، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف، فعاليات الافتتاح بكلمة رحب خلالها بالحضور، معربًا عن سعادته باستضافة المتحف لهذه المبادرة التي حققت نجاحًا وإقبالًا جماهيريًا كبيرًا في مواسمها السابقة. وأكد أن المبادرة تسلط الضوء على التراث الشعبي للمأكولات المصرية باعتباره أحد أشكال التراث الثقافي غير المادي، مما يساهم في حمايته من الاندثار، بالإضافة إلى دعم الترويج السياحي للأكلات المصرية من خلال مجموعة متنوعة من الفعاليات والورش الفنية والتفاعلية.
كما أشار إلى حرص المتحف على احتضان المبادرات التي تُبرز التراث والحضارة المصرية، لما لها من دور مهم في رفع الوعي الثقافي والأثري، وتفعيل دور المتحف في حماية وصون الموروث الحضاري والثقافي لمصر. وأضاف أن الموسم الرابع يتضمن عددًا من الأنشطة والورش التفاعلية التي تُبرز هذا التراث، مقدمًا الشكر لجميع الجهات الداعمة والمشاركين والقائمين على المبادرة، تقديرًا لجهودهم في إنجاحها.
من جانبها، أعربت داليا فخر، مسؤولة التسويق الواعي وتطوير المشروعات الثقافية بمؤسسة صادكو، عن اعتزازها بالتعاون مع المتحف القومي للحضارة المصرية، مؤكدة أهمية دعم الأنشطة المجتمعية التي تعزز الهوية المصرية وتسهم في استدامة التراث الغذائي. وأضافت أنها كمؤسسة سعيدة بالمشاركة في المبادرة منذ الموسم الثاني وحتى الرابع، وتطمح للاستمرار في التعاون مع المتحف القومي للحضارة المصرية في “طبلية مصر” وأي أنشطة أخرى.
وأوضحت ملك الخادم، عضو فريق مبادرة “طبلية مصر”، أن الفريق يتكون من أربعة أفراد من العاملين بالمتحف القومي للحضارة المصرية، وقد جمعهم الشغف بالتراث والغذاء، ومنذ ٢٠٢٣ بدأ الموسم الأول تحت شعار “إحياء الماضي وتوثيق الحاضر من أجل المستقبل”. كما أضافت أن المبادرة تسعى إلى الخروج خارج جدران المتحف، مشيرة إلى أن الفعاليات تمتد من 15 يناير حتى 5 فبراير 2026، وتشمل برنامجًا زمنيًا يتضمن لقاءات وورش عمل داخل وخارج المتحف. وفي هذا السياق، أضافت أن من أبرز الفعاليات القادمة ورشة عمل عن الملكية الفكرية بعنوان “أصل الطبخة: حكاية إرث وحماية سر”، والمقرر إقامتها يوم السبت 17 يناير بفندق المضيفة بالتحرير، بالإضافة إلى مؤتمر “آكلات وذكريات… حكايات وراء الشيفات” في 20 يناير 2026 بالمتحف القومي للحضارة المصرية، وحلقة نقاشية حول الأكل في الأدب المصري في بيت الرزاز يوم 24 يناير، وورشة عمل “هناكل إيه النهارده” بقسم التربية المتحفية في 27 يناير، وورشة أخرى عن استخراج الصبغات من الطعام المصري في 31 يناير بمدرسة تواصل بعزبة خير الله، وغيرها من الأنشطة المميزة.
من جانبه، أشار الدكتور مصطفى جاد، عميد المعهد العالي للفنون الشعبية الأسبق، وخبير التراث اللامادي باليونسكو، في كلمة مكتوبة، إلى أن المبادرة تسعى إلى إحياء تقاليد الطعام المصري وتوثيق ممارساته الحية كجزء أصيل من التراث الثقافي غير المادي، مما يشكل جسرًا يربط الماضي بالحاضر من أجل الأجيال القادمة.
في شوارع مصر: ضرورة ثم ثقافة
لم يكن الطهي المنزلي في العصور الوسطى متاحًا للجميع. فقد كان امتلاك مطبخ مجهز يعد رفاهية لا تتوفر إلا في بيوت الميسورين أو في أطراف المدن، حيث تتوافر المياه والمساحات المناسبة للطهي. كما كانت عملية الطهي الجيد تتطلب أدوات متعددة وجهدًا جماعيًا، ما يعكس الفجوة بين الطبخ المنزلي المتخصص والطعام الجاهز المتاح في السوق.
في القاهرة المملوكية، اعتمد غالبية سكان المدن على أسواق الطعام وباعة المأكولات الجاهزة بشكل جزئي أو كلي. وكانت العادة أن يتم تحضير مكونات الطعام في المنازل البسيطة ثم تُرسل للطهي في أفران عامة، أو يتم الاستعانة بالطهاة المحترفين لإعداد الوجبات مقابل أجر. أما مستأجرو الشقق في المباني متعددة الطوابق، الذين يعتبرون من محدودي الدخل، فكانوا يعتمدون بشكل شبه كامل على باعة الطعام المنتشرين في الشوارع والأسواق، الذين قدموا مجموعة متنوعة من الأطعمة التي لبت احتياجات الحياة اليومية.
ضرورة ثم تراث حي
لم تكن عربات الطعام وأكشاكه حلاً عمليًا فحسب، بل كانت أيضًا ساحات للمهارة والمعرفة والتفاعل الاجتماعي. ومع مرور الزمن، أصبح هذا التقليد أحد أبرز ملامح الثقافة الحضرية في مصر حتى اليوم.
عربات الطعام في مصر: ذاكرة موسمية حية
تحتفظ عربات الطعام في مصر بدورها الحيوي في الحياة اليومية، حيث تجاوزت كونها مجرد وسيلة للغذاء لتصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية والإيقاع الموسمي للمدينة. ترتبط بعض الأطعمة بمواسم وأحداث معينة، مثل البطاطا التي تعد من علامات الشتاء في الشوارع، وعربة الدندرمة (الآيس كريم الشعبي) التي تنتشر على الشواطئ في الصيف، مما يجعل عربة الطعام جزءًا من تجربة المكان والزمان. هذه العربات تذكرنا بتجربة أكل الشارع وتنقلها للأجيال الجديدة، مما يؤكد أن طعام الشارع في مصر تجربة حية تتجدد مع الزمن.
تضمنت فعاليات الافتتاح أيضًا إقامة معرض فني بعنوان “فن أكل الشارع”، ضم مجموعة من اللوحات الفنية ومشاهد مختارة من أفلام مصرية وثّقت الأطعمة التراثية والأدوات المستخدمة في ثقافة أكل الشارع المصري، بالإضافة إلى عرض عرائس الماريونيت المستوحاة من الأفلام الكلاسيكية القديمة، في تجربة فنية مميزة تمزج بين الإبداع التراثي والسينمائي.
كما شمل الموسم الرابع مجموعة من الأنشطة الثقافية والتوعوية، بما في ذلك ندوات حول سياحة الطعام وأشهر الأكلات في المحافظات المصرية، وورش عمل متخصصة في توثيق الأكلات الشعبية، بالإضافة إلى ورش خارجية بالتعاون مع مدرسة “تواصل” بعزبة خير الله لتعليم طرق استخراج الصبغات من الطعام المصري.
وتتضمن الفعاليات أيضًا ورش عمل مخصصة للأطفال وذوي الهمم لتعريفهم بكيفية إعداد المأكولات التراثية والقصص المرتبطة بها، مع تسليط الضوء على مفاهيم الصحة والحفاظ على البيئة.
وخلال الفعالية، تم تكريم عدد من الشخصيات التي أسهمت في إنجاح مبادرة “طبلية مصر” خلال مواسمها السابقة وكان لها دور بارز في توثيق الأكلات التراثية المصرية.
وفي ختام اليوم، أُتيحت الفرصة للحضور وزوار المتحف لتذوق مجموعة من الأطعمة التراثية المصرية، وسط أجواء مستوحاة من التراث الشعبي، التي لاقت إعجاب وتفاعل الزائرين. تأتي مبادرة “طبلية مصر” لتؤكد دور المتحف القومي للحضارة المصرية كجسر يربط بين الماضي والحاضر، ويسهم في حماية الموروث الثقافي وتعزيز الوعي بقيمته لدى الأجيال القادمة.

























































