في حواره ضمن الجزء الثاني من بودكاست “كلام في الثقافة” على الوثائقية المصرية قدم الدكتور محمد عثمان الخشت المفكر العربي ورئيس جامعة القاهرة السابق وعضو المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية رؤية شاملة مزج فيها بين الرؤية الفكرية العميقة والذكريات الشخصية الدقيقة.
كاشفًا عن مواقف شكلت وعيه منذ كان طالبًا ورؤيته لإصلاح العقل الديني والتعليمي في العالم العربي.
أوضح الدكتور محمد الخشت، أن مصطلح “الإسلام المنسي” الذي يطرحه لا يعني إسلامًا جديدًا، بل العودة إلى الإسلام في صورته النقية الأولى، أي القرآن الكريم والسنة المتواترة الثابتة ثبوتًا يقينيًا، بعيدًا عن التأثيرات التي تسللت إلى الفقه والتفسير عبر الإسرائيليات أو التأثيرات الفارسية والمسيحية القديمة.
رفض الدكتور محمد الخشت، أكذوبة القطيعة الكاملة مع التراث التي روج لها البعض، مؤكدًا أنه حقق ونشر 24 كتابًا تراثيًا في كبرى دور النشر في الثمانينيات من القرن الماضي، لكنه في الوقت ذاته يميز بين “الغث والسمين” وما يصلح للإستمرار وما إرتبط بسياقه التاريخي ولا يمكن إستعادته لعصرنا الحالي.

موضحًا أن المشكلة تكمن في تقديس الأشخاص والمذاهب وتحويلها إلى مرجعيات مغلقة، بدل التعامل معها بإعتبارها إجتهادات بشرية.
في سياق حديثه عن التعامل مع التراث، ضرب الدكتور الخشت مثالًا بمنهج الإمام مالك الذي يطبق “عمل أهل المدينة”، موضحًا إعجابه الشديد بهذا المنهج لأن عمل أهل المدينة يمثل “تواترًا عمليًا” نقل طريقة أداء العبادات (كالصلاة والحج) والمعاملات النبوية جيلاً عن جيل، وهو ما يعتبره أصدق من الروايات الفردية (أحاديث الآحاد).
أكد الدكتور محمد الخشت، أن مهمة العقل المعاصر هي الإنتقاء الواعي لا الرفض الشامل ولا القبول الأعمى، مؤكدًا أن مشروعه الفكري الأبرز لتأسيس خطاب ديني جديد، لا يدعو إلى إنشاء دين جديد، بل إلى تأسيس عقل ديني جديد قادر على التعامل مع أسئلة العصر وتحدياته بآليات عقلانية وعلمية.
أوضح الدكتور محمد الخشت، أن تجديد الخطاب الديني لم يعد كافيًا، لأن التحديات المعاصرة تتطلب تأسيسًا معرفيًا جديدًا مشددًا على أن الرد على التحديات الجديدة بإجابات قديمة يؤدي إلى الفشل، وهو ما وقعت فيه الجماعات الأصولوية.
أكد الدكتور محمد الخشت أن الأحاديث الظنية الثبوت لا يتم رفضها مطلقًا، وإنما تخضع لمعيارين أساسيين: عدم تعارضها مع النص القرآني الصريح، وإتساقها مع المقاصد الكلية للشريعة، وعلى رأسها حفظ العقل والنفس والمال والعرض والمساواة والعدل وتعمير الأرض.

في حديثه عن كتابه “فلسفة المواطنة وأسس بناء الدولة الحديثة” كشف الدكتور محمد الخشت، أن دافعه الأساسي لكتابته كان صدمته من غياب مفهوم الدولة لدى قطاعات واسعة من المجتمع بعد عام 2011، حيث طغى الحديث عن الحقوق دون الإلتفات إلى الواجبات، كما أن مفهوم الدولة الدستورية غاب في عامي 2012- 2013.
مؤكدًا أن الدولة الوطنية لا تتعارض مع الدين، لأن الإسلام لم يفرض نموذجًا محددًا للحكم، بل وضع مبادئ عامة مثل العدالة والإنصاف والأمانة وإعمال القانون على الجميع والفصل بين السلطات، موضحًا أن الإنتماء للوطن قيمة دينية وإنسانية راسخة مستشهدًا بحب النبي لمكة.
في ملف التعليم شدد الدكتور محمد الخشت على أن التحدي الحقيقي في تطوير التعليم ليس نقص الأفكار، بل الآلة الذهنية التي تنتج هذه الأفكار، مؤكدًا أن الإصلاح يبدأ من تغيير طريقة التفكير وبناء عقل نقدي قادر على الإبداع وهو ما حاول تطبيقه خلال رئاسته لجامعة القاهرة عبر تغيير المناهج التعليمية وإدخال مقررات جديدة بهدف تخريج أجيال لا تعتمد على الحفظ والتلقين، بل تملك أدوات النقد والتحليل.
في لفتة طريفة وردًا على سؤال للإعلامي د. محمد عبده بدوي عن ذكرياته في كلية الآداب إستعاد الدكتور محمد الخشت موقفًا لا ينسى مع أستاذه الدكتور شمس الدين حجاجي المتخصص في الأدب العربي حيث ذكر الخشت أن الدكتور حجاجي سأل طلاب السنة الأولى عن المغزى الذي أراده توفيق الحكيم من روايته “يوميات نائب في الأرياف”فلم يجبه أحد بالإجابة التي ينتظرها، حتى وقف الخشت (الطالب في السنة الأولى آنذاك) وقال: “يريد أن يقول: التغيير أو الضياع”،
مشيرًا إلى أن الرواية تصور حالة الصراع بين القانون والأعراف في الريف هنا نظر إليه الدكتور حجاجي وقال له جملته التي تحققت لاحقًا: “أنت ستصبح معيدًا بالكلية.









