فى السنوات الأخيرة، تفشت داخل أروقة العمل الحكومى ظاهرة يمكن وصفها « دون مبالغة» بأنها واحدة من أكثر الظواهر غرابة وسطحية فى تاريخ الإدارة العامة: هوس اللقطة، وعبادة الصورة، وتقديس البروتوكول على حساب الفعل. مشاهد متكررة لمسئولين يتبادلون الملفات، ويوقعون على أوراق تحمل عناوين رنانة مثل «بروتوكول تعاون» أو «اتفاقية شراكة»، ثم يقفون فى صف واحد أمام الكاميرات بابتسامات محفوظة، وكأن الإنجاز قد تحقق بمجرد الضغط على زر التصوير.
>>>
الأغرب «بل الأكثر إثارة للسخرية» أن هذه البروتوكولات تُوقّع بين جهات حكومية تنتمى إلى الكيان نفسه، وتعمل تحت المظلة ذاتها، وتفترض فيها « بحكم المنطق والدستور « الشراكة والتكامل دون حاجة إلى مراسم أو توقيعات أو عدسات. نحن لا نتحدث عن دولتين مختلفتين، ولا عن مؤسستين متنافستين، بل عن أجهزة يفترض أنها أجزاء من ماكينة واحدة، فإذا بها تتعامل وكأنها جزر منعزلة لا يربطها رابط إلا بعد توقيع بروتوكول وتصوير لقطة.
>>>
كيف يمكن لجهاز حكومى أن «يتعاون» مع جهاز حكومى آخر وكأن التعاون استثناء لا قاعدة؟ وكيف أصبحت أبسط بديهيات العمل المؤسسى تُقدَّم للناس فى صورة «إنجاز»؟ هل المطلوب من المواطن أن يصفق لأن مؤسستين فى الدولة قررتا أخيرًا أن تتحدثا مع بعضهما؟
>>>
اللقطة هنا ليست تفصيلاً عابرًا، بل أصبحت غاية فى حد ذاتها. الكاميرا صارت هى الحكم، والصورة هى الدليل، والألبوم هو سجل الإنجازات. لا يهم ما الذى سيحدث بعد انتهاء مراسم التوقيع، ولا إن كان هذا البروتوكول سيُفعَّل أو يُنسى فى درج مغلق. المهم أن الصورة خرجت، والتصريح نُشر، والعنوان العريض تصدّر المواقع: «توقيع بروتوكول تاريخى».
>>>
والحقيقة أن هذه اللقطة «الملعونة» «كما يصفها البعض « لم تعد مجرد ممارسة شكلية، بل تحولت إلى أداة تتحكم فى مصائر الناس. قرارات تُتخذ، وموارد تُهدر، وأولويات تُغيَّب، فقط لأن هناك سباقًا محمومًا نحو الظهور الإعلامي. المسئول الذى يقيس نجاحه بعدد الصور التى التُقطت له، لا بعدد المشكلات التى حلّها، هو مسؤول خطر، حتى لو بدا أنيقًا ومبتسمًا فى كل لقطة.
>>>
المفارقة المؤلمة أن كثيرين ممن يطاردون الصورة يظنون أنفسهم فى قمة الذكاء والدهاء الإداري. يتخيلون أن إدارة الانطباع أهم من إدارة الواقع، وأن الجمهور ينسى سريعًا، وأن اللقطة قادرة على تغطية أى فراغ. لكن الحقيقة « مهما طال الزمن « أن الواقع لا يُخدع. الطرق إما تُصلَح أو لا، الخدمات إما تتحسن أو تتدهور، والناس لا تعيش داخل الألبومات ولا تتغذى على البيانات الصحفية.
>>>
الدولة ليست مسرحًا، والعمل العام ليس عرضًا يوميًا أمام الكاميرات. الدولة فعل متواصل، وجهد صامت، ونتائج تتراكم ببطء ولكن بثبات. أخطر ما فى هوس البروتوكولات أنه يخلق وهم الإنجاز، وهذا الوهم أخطر من الفشل نفسه، لأنه يخدر الإحساس بالمشكلة، ويمنح شعورًا زائفًا بالرضا، ويؤجل المواجهة الحقيقية مع الخلل.
>>>
الإنجاز الحقيقى لا يحتاج إلى توقيع احتفالي، بل إلى قرار شجاع. لا يحتاج إلى منصة، بل إلى خطة. لا يحتاج إلى صورة، بل إلى أثر. حين يشعر المواطن بتحسن فى حياته اليومية، لن يسأل عن عدد البروتوكولات الموقعة، ولن يهتم بمن وقف بجوار من أمام الكاميرا.
>>>
ربما حان الوقت لإعادة النظر فى علاقتنا بالصورة، وفى فهمنا لمعنى الإنجاز. حان الوقت لأن ندرك أن الدولة القوية لا تُقاس بعدد اللقطات، بل بقدرتها على العمل دون ضجيج، وعلى التنسيق دون استعراض، وعلى الإنتاج دون انتظار تصفيق.
>>>
فالإنجازات لا تُعلَّق على الجدران، ولا تُحفظ فى الألبومات.. الإنجازات تعيش على أرض الواقع.









