أدرك تماما، وربما منذ السطر الأول، أن هذا المقال لن يرضى كثيرين، وأن موجة من الاعتراض قد تلاحقنى بعد نشره. ومع ذلك أكتب وأنا مطمئن الضمير؛ فرغم أنى إنسان مسالم، قلبى حنين، ولا أميل إلى العنف، لكن الرحمة الحقيقية لا تنفصل عن العقل، ولا تتعارض مع سلامة الإنسان.
الدافع لكتابة هذا المقال سؤال بسيط طرحه أحدهم على مواقع التواصل الاجتماعي: كيف نواجه مشكلة كلاب الشوارع؟ تصفحت التعليقات، وكالعادة عكست خفة دم المصريين وتناقضاتهم فى آن واحد. أغلب الآراء انحازت لشعارات عامة عن حقوق الحيوان والشفقة والرحمة، وأن هذه كائنات من خلق الله يجب رعايتها وتدليلها، بينما وُصم من يخالف هذا الرأى بغلظة القلب وغياب الإنسانية. وكان رأيي، بصراحة، أقرب إلى هؤلاء الموصوفين ظلما بالقسوة.
كلاب الشوارع مشكلة حقيقية ومتفاقمة. فهذه الكلاب تتكاثر بسرعة هائلة، وأصبح وجودها طاغيا فى كل شارع وحارة ومنطقة سكنية. لا تقوم بأى دور نافع للمجتمع، وفى المقابل تحمل قائمة طويلة من الأضرار؛ فهى تبث الخوف، خاصة بين الأطفال وكبار السن، وقد تهاجم المارة بلا سبب، وتسبب إصابات جسدية ونفسية، فضلا عن نقل الأمراض والطفيليات والحشرات. وجودها غير المنظم فى الشارع يمثل خطرا مباشرا على الإنسان، تماما كما يمثل الناموس والذباب والعقارب والفئران خطرا، وهى جميعا كائنات حية، لكن أحدا لا يطالب بتركها أو رعايتها فى الشوارع.
المفارقة الغريبة أن البعض يحاول إضفاء قداسة دينية على هذا الموقف، وكأن الأديان السماوية تحث على ترك الضرر واقعا على الإنسان باسم الرحمة. والحقيقة أن هذا غير صحيح على الإطلاق؛ فلا يوجد فى أى تعاليم سماوية ما يبرر تعريض الإنسان للأذى من أى مصدر كان، بل إن رفع الضرر وحماية النفس من المقاصد الأساسية التى اتفقت عليها الشرائع كلها.
نحن، كمجتمع، نساند وندافع عن قضايا تنظيم الأسرة للبشر، انطلاقا من الحرص على صحة الإنسان وجودة حياته، وعلى قدرة المجتمع والدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات ومستلزمات الحياة. فإذا كنا نقتنع بهذا المنطق عندما يتعلق الأمر بالبشر، فكيف نرفضه عندما نتحدث عن حيوانات ضالة لا صاحب لها ولا وظيفة لها سوى التوالد العشوائى وإنتاج المزيد من الخطر؟
القضية هنا ليست كراهية للحيوان ولا دعوة للقسوة، بل هى مسألة تنظيم وحماية للمجتمع. التعامل العقلانى مع الظواهر الضارة لا يعنى التخلى عن القيم والشفقة والرحمة، بل على العكس، يعنى إدارة المشكلة بأسلوب علمى وإنسانى فى آن واحد. ولا أنسى هنا «سمبو»، الكلب الذى كان فى المزرعة، كلبا أسود عاش فى الجبل ثم استوطن عندنا، فأطعمناه وراعيناه، فرأيت فيه حنان الدنيا كلها، وفاء وألفة وإخلاص. كان يشعر بوصول سيارتى وأنا مازلت فى أول الطريق، فيأتى مهللا، يسابق السيارة بكل مشاعر الحب والسعادة. هذه مشاعر فردية لعلاقة فردية، ولو استطاع أحد أن يؤوى أحد كلاب الشوارع فجزاه الله خيرا، لكنه لن يحل المشكلة. نحن نتحدث عن ظاهرة تفاقمت واتسعت، ومن المستحيل أن نطالب الجميع بالقيام بذلك، ولن يحدث. دعونا نبحث عن حل عملى وواقعى ومفيد من أجل رفع الأذى عن الطريق وليكن هذا عاجلا فالمشكلة تتصاعد بدرجة مفزعة.
الرحمة لا تعنى ترك الشارع فريسة للخطر، والإنسان لا يجب أن يكون الطرف الأضعف فى معادلة مختلة. حماية البشر أولاً ليست جريمة، وتنظيم الظواهر الضارة ليس قسوة، بل هو عين العقل والمسئولية.









