فى عالم يتشكل على إيقاع الخوارزميات وتدفقات البيانات العابرة للحدود، لم يعد النفوذ الدولى حكرًا على من يملك السلاح أو الموارد التقليدية، بل بات مرتبطًا بقدرة الدول على إدارة المعرفة الرقمية والتحكم فى مسارات البيانات. فى هذا السياق العالمى المتسارع، تعيد مصر صياغة دورها التاريخي، منتقلة من كونها معبرًا تجاريًا استراتيجيًا إلى لاعب محورى فى خريطة الاقتصاد الرقمى العالمي.
مبادرة «الرواد الرقميون» تأتى هنا بوصفها إحدى الأدوات العملية لترجمة الرؤية الوطنية للتحول الرقمى من إطارها السياسى إلى واقع قابل للتنفيذ. فالمبادرة لا تقتصر على التدريب التقنى بمعناه الضيق، بل تستهدف بناء جيل من الكفاءات القادرة على إدارة منظومات رقمية معقدة، تشمل مراكز البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهى مجالات تمثل العمود الفقرى للاقتصاد العالمى الجديد.
تندرج هذه المبادرة ضمن استراتيجية أوسع تتبناها الدولة المصرية لتعزيز ما يمكن تسميته بـ«السيادة الرقمية»، أى الاحتفاظ بالبيانات الحساسة داخل نطاق وطنى آمن، دون الانعزال عن السوق العالمي. هذا التوازن الدقيق بين الانفتاح والسيطرة يمثل أحد أبرز التحديات التى تواجه الدول النامية فى عصر المنافسة التكنولوجية المحتدمة بين القوى الكبري.
ولا يمكن فهم هذا التوجه بمعزل عن الموقع الجغرافى الفريد لمصر. فالدولة التى سيطرت تاريخيًا على أحد أهم شرايين التجارة العالمية عبر قناة السويس، باتت اليوم تشرف على أحد أكثر الممرات حيوية لحركة البيانات بين الشرق والغرب. مرور النسبة الأكبر من الكابلات البحرية التى تربط آسيا بأوروبا عبر الأراضى المصرية منح القاهرة ثقلاً استراتيجيًا جديدًا، لايقل أهمية عن ثقلها البحرى التقليدي.
غير أن التحول الحقيقى لا يكمن فى كون مصر ممرًا للبيانات فحسب، بل فى سعيها للتحول إلى مركز لإقامتها وتخزينها ومعالجتها. الاستثمار المتزايد فى مراكز البيانات، مدفوعًا بالطلب العالمى المتنامى على قدرات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يضع مصر فى موقع تنافسى متقدم إقليميًا، ويجعلها خيارًا جذابًا للشركات العالمية الباحثة عن بيئة مستقرة وبنية تحتية موثوقة.
هنا تتقاطع الأبعاد الاقتصادية مع اعتبارات الأمن القومى الرقمي. فامتلاك بنية تحتية قوية دون رأس مال بشرى مؤهل يظل معادلة ناقصة. ومن ثم، تبرز أهمية «الرواد الرقميون» كمبادرة تسد هذه الفجوة، عبر إعداد كوادر قادرة على تشغيل هذه المنظومات المعقدة، وصياغة حلول محلية تقلل الاعتماد على الخارج، وتعزز القدرة التنافسية الوطنية.
مستقبل هذا التحول يتجاوز حدود الاقتصاد، ليطال مكانة مصر الإقليمية والدولية. فالدول التى تتحكم فى عقد الشبكات الرقمية تصبح نقاط ارتكاز فى النظام العالمى الجديد. وإذا نجحت مصر فى الدمج بين جغرافيتها الاستثنائية، وبنيتها التحتية المتطورة، واستثمارها المنهجى فى الإنسان، فإنها لن تكون مجرد «معبر للبيانات»، بل شريك أساسى فى صياغة ملامح العصر الرقمى القادم.
بهذا المعني، لا تمثل مبادرة «الرواد الرقميون» برنامجًا تدريبيًا عابرًا، بل لبنة أساسية فى مشروع استراتيجى طويل المدي، يضع مصر على خريطة القوى الرقمية الصاعدة، دون ضجيج أو شعارات، وبمنطق الدولة التى تدرك أن المستقبل يدار من غرف الخوادم بقدر ما يُدار من غرف السياسة.









