السبت, يناير 17, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

جريدة الجمهورية

رئيس التحرير

أحمد أيوب

  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
جريدة الجمهورية
لا توجد نتائج
كل النتائج
الرئيسية مقالات

شيطان الجماعة (5)

رسائل البنّا.. كيف مهّدت للقاعدة وداعش؟

بقلم حسام الغمري
14 يناير، 2026
في مقالات
شيطان الجماعة (3)

حسام الغمري

26
مشاهدات
شارك على فيسبوكواتس اب

الخطر الحقيقي على الأديان لا يأتي من خصومها المُعلنين، بل من أولئك الذين يتكلمون باسمها، ثم يعيدون نحتها على مقاسهم، حتى تفقد فلسفتها، وتضيع مقاصدها، ويبهت جوهرها.

فالإسلام، في جوهره الأصيل، رسالةُ رحمةٍ تهذّب النفس، وتقيّد استخدام العنف، وتضع للسلطان سياجًا من العدل والمقاصد الحكيمة.

غير أنّ مُدَرِس الخط حسن البنّا، بمنهجه التنظيمي الملتبس، انحرف بالبوصلة: حيث نقل الدين من أفقٍ أخلاقيٍّ مفتوح إلى مشروع تنظيمٍ مغلق، ومن رسالةٍ تُصلح الإنسان إلى آلةٍ تُنتج أفرادًا “تسيطر عليهم ميلشاية الوعي”، يرون الطاعة العمياء معيار الإيمان، والخصومة دليل الصدق، والسلاح امتدادًا طبيعيًا لليقين.

من هنا تبدأ سلسلة الإمداد البنيوي للتطرّف، التي ستصل، بعد عقود، إلى القاعدة وداعش؛ لا.. لأن حسن البنّا قال يومًا: «كونوا قاعديين أو دواعش»، بل ..لأنه أرسى الحمض النووي الفكري والتنظيمي لكل شبكات العنف المتأسلم العابرة للحدود، تلك التي باتت اليوم في قلب مخططات تفكيك الدول: لغةٌ تُصنّف البشر..ومنطقٌ يُؤجّل العنف حتى «تكتمل المراحل»، وتربيةٌ تخلط العبادة بالتنفيذ العملياتي، وتُقدّس السرّية، وتمنح التنظيم حقّ التفتيش في ضمير الفرد، وحياته، واختياراته.

وما نقوم به هنا ليس حربًا على الإسلام — كما يروّج غلمان الجماعة الإرهابية — حاشا وكلا، بل دفاعٌ عنه من «إسلام التنظيم»؛ ذاك الذي يختطف النص ليغتال مقصده.

1- الحقّ على فوهة البندقية

” القوّة أضمن طريق لإحقاق الحق “

(حسن البنّا – رسالة المؤتمر الخامس)

حين تُعرَّف الحقائق بالقوّة، لا يعود الحق قيمةً أخلاقية تُقاس بالعدل والميزان، بل نتيجةً عملية تُقاس بالقدرة والغلبة..عند هذه اللحظة الفارقة، يتغير المفهوم رأسًا على عقب: لا تعود القوّة أداةً في خدمة الحق، بل يصبح الحقّ تابعًا للقوّة، مولودًا من فوهتها، ومُثبتًا بسطوتها، وهنا ينكشف الخلل الأشد خطورة في فهم الدين ووظيفته؛ فالقوّة في منطق مدرس الخط، لا تُستدعى لحماية الحق، بل لتصنيعه وإعادة تشكيله وفق منطقٍ تنظيميٍّ يرى الغلبة معيار الصواب .

وهذا هو الجسر الذي عَبَرَت عليه لاحقًا القاعدة ثم داعش؛ الأولى قالت: نملك من القوّة ما يسمح لنا بفرض رؤيتنا على العدو البعيد، فجلبت الدمار والغزو والإحتلال لبلادنا بعد 11 سبتمبر 2001 !!

والثانية مضت أبعد، إذ زعمت أنها تملك من القوّة ما يؤهلها لإعلان “دولة” تُقام بالسيف والذبح، فصنعت نموذجًا مشوّهًا لا يَمُتُّ إلى الدين بصلة، وفتحت الباب واسعًا لشرعنة الوجود العسكري الأجنبي فوق أرضنا باسم محاربة هذا التشوّه نفسه !!

هذه العبارة ليست زلّة لسان في خطاب عابر، بل قاعدة تأسيسية كاملة: من يؤمن بأن القوّة هي «أضمن طريق»، سيبحث عنها، ويُنمّي أدواتها، ويُعدّ لها الرجال، ثم يعود ليبرر استخدامها بوصفها الطريق.

وعلى هذا التصوّر أسس مدرس الخط «النظام الخاص»؛ فلم يكن حادثًا عارضًا، بل البذرة الأولى التي تفرّعت عنها، عبر الزمن، القاعدة وداعش، ثم لاحقًا حسم وميدان، في سلالة واحدة تتوارث منطق القوّة قبل القيم، والتنفيذ قبل المقاصد.

2- التدرّج المسلّح

“أول درجات القوة قوة العقيدة .. ثم قوة الوحدة .. ثم قوة الساعد والسلاح”

(حسن البنّا، رسالة المؤتمر الخامس)

هذا الترتيب لا يعكس وصفًا تربويًا بريئًا، بل يُبنى كمنهج تصاعدي مغلق، يُدخِل العنف في صلب المسار الإيماني! فحسن البنّا لا يضع السلاح على هامش الفكرة، ولا يتعامل معه كطارئٍ مشروط بضرورةٍ استثنائية، بل يزرعه كذروةٍ منطقية لمسارٍ يبدأ بالعقيدة وينتهي بالساعد، وكأن الإيمان لا يكتمل إلا إذا مرّ من هذه السلسلة كاملة.

هنا تُصاغ أخطر الحيل الذهنية:

العنف لا يُعلَّم بوصفه خطيئة، بل يُؤجَّل بوصفه مرحلة قادمة،
ولا يُحرَّم، بل يُعلَّق انتظارًا لـ«الظرف المناسب»وهكذا يُربّى الشبل الإخواني على التقية لا على ضبط النفس، وعلى الانتظار لا على كبح العنف .

بهذا المنطق نشأت القاعدة: تنظيمٌ يؤمن بالتراكم البطيء، وبالتكوين الطويل، وبالصمت المسلّح الذي لا ينفجر إلا حين يرى أن “الساعة قد حانت”، ثم جاءت داعش، فلم تكسر السلم، بل استعجلته؛ قفزت إلى آخره، وأعلنت أن ما كان يُؤجَّل قد آن أوانه.

في الحالتين، لم يكن السلاح انحرافًا عن المنهج، بل تحقيقًا له.
ولم يكن العنف خيانة للفكرة، بل ثمرةً طبيعية لها.

هكذا يتكوّن الجيل الذي لا يسأل: هل أفعل؟ بل ينتظر فقط: متى أُؤذَن؟ لا ليعبد الله، بل ليقتل المستأمنين !!

3- البنا وبن لادن إنذار ثم انفجار

” إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها… وسيُنذرون أولًا… ثم يَقدِمون… ويتحملون النتائج “
(حسن البنّا، رسالة المؤتمر الخامس)

هذه الصياغة لا تتحدث عن عنفٍ عابر، بل تؤسّس لـ بروتوكول قتل مغلّف بلغة التنظيم.
فالإنذار هنا ليس نداءً أخلاقيًا، بل طقس تمهيدي يمنح الفعل القادم شرعية داخلية، ويُحوّل الجريمة من فعلٍ مدان إلى “مرحلة مخططة” في مسار معد أنفاً !!، وبهذا المنطق، لا يُقدَّم العنف كفشل أخلاقي، بل كإجراء إداري: إنذار… ثم إقدام… ثم «مواجهة التبعات» لا باعتبارها جُرماً دموياً، بل باعتبارها ضريبةً واجبة على طريق العنف المقدّس.

هذه الصيغة هي نفسها التي ستخرج بعد عقود من فم أسامة بن لادن، حين حوّل “الإنذار” إلى أشرطة مصوّرة تُسبق العمليات الإرهابية، لا لتحذير الأبرياء، بل لتثبيت رواية التنظيم قبل التفجير.
ثم تبنّاها أيمن الظواهري، الذي لم يرَ في البيانات سوى إقامة حجّة تنظيمية تسبق التنفيذ، أما أبو بكر البغدادي، فقد جرّد الصيغة من أي غطاء لغوي :لم يعد الإنذار رسالة، بل مهلة، ولم يعد الإقدام عملية، بل مشهدًا استعراضيًا عبثيا ، ولم تعد النتائج عبئًا، بل وسيلة ردع وبناء هيبة زائفة !!

الخطّ واحد، وإن تغيّرت الأدوات:
من رسالة تنظيرية عند البنّا، إلى شريط مصوّر عند بن لادن، إلى بيان صوتي عند الظواهري، إلى مقطع ذبح عند البغدادي، وفي كل المراحل، العنف ليس انفلاتًا، بل تنفيذًا مؤجّلًا، وليس ردّ فعل، بل قرارًا مكتوبًا سلفًا، فما بدأ عند حسن البنّا كصيغة تُضفي على القوة مسحة نظام، انتهى كعقيدة عملياتية تُدار بها شبكات العنف العابرة للحدود، تُعلن قبل أن تقتل، لا لتمنع القتل، بل لتُكسِبه شرعيةً نفسية لتقبّله بوصفه ضرورة

4- الجهاد حين يُنتزع من ضوابطه

” توعد المخلفين القاعدين .. ووبخهم على الجبن والقعود .. واعتبر القعود والفرار كبيرة “
(حسن البنّا، رسالة الجهاد)

هنا لا يُستدعى الجهاد بوصفه فريضةً منضبطةً بشروطها ومقاصدها، بل يُعاد توظيفه كأداة ضغطٍ على الضمير؛ سلاحًا لغويًا يُشهَر في وجه المتردّد، لا في وجه العدو.
من لا يقاتل بقرار الجماعة يُوسَم بالجبن، ومن يتريّث يُزاح إلى خانة الإثم، ومن يختار السلامة يُساق إلى عارٍ دينيٍّ مُصنَّع تنظيمياً، وفي هذا المناخ، يتحوّل الجهاد من تكليفٍ مشروطٍ بالعدل والقدرة والمآل، إلى معيار تفاضلٍ تنظيميّ: أنت “أصدق إيمانًا” كلما اقتربت من القتل، ولو كان القتل بلا رايةٍ شرعية، ولا مصلحةٍ معتبرة، ولا حسابٍ للعواقب.
وهنا تُغتال روح الإسلام مرتين: مرة حين يُختزل في سلاح، ومرة حين يُستعمل السلاح أداةَ فرزٍ بين البشر، وهذه اللغة نفسها ستتردد لاحقًا في شرائط القاعدة وبيانات داعش: تحقير القعود، شيطنة التعقّل، وتجريم الاحتياط بوصفه خيانة، لكن الفضيحة الأخلاقية الكبرى تنكشف حين يتحوّل هذا التحريض إلى دمٍ حقيقي، ثم يُلقى بصاحبه وحيدًا في مواجهة المصير.

الطالب الإخواني الذي اغتال النقراشي باشا لم يهبط من فراغ؛ خرج من هذا المناخ الذي يُقدّس الفعل العنيف بوصفه ذروة الصدق الديني، وحين سال الدم وداهم الخطر رأس التنظيم، تبرّأ منه البنّا بمقاله الشهير «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين»، كأن التحريض لم يكن يومًا، وكأن التربية الخبيثة لم تقع، وكأن الرصاصة خرجت من فراغ لا من خطابٍ مُعبِّئ.

هنا ينكشف التموضع المزدوج في أوضح صوره : ويُستدعى “الجهاد” حين يُنتج تابعًا مطيعًا، ويُتنكَّر له حين يُنتج قاتلًا يهدد استمرار التنظيم، والقتل الذي سُمِّي قبلها “جهادًا”، يُعاد تعريفه بعد وقوعه بوصفه “انحرافًا فرديًا”

بهذا المنطق، لا يعود الجهاد عبادةً منضبطة، بل أداة تعبئة تُستعمل ثم يُتخلّى عن ضحاياها، وتُعاد التجربة في كل مرة بصيغة -كمالية بعد 2013 – زائفة، لا تختلف في جوهرها عن سابقاتها.
وهكذا يُفرَّغ المفهوم من ضوابطه، ويُحمَّل الشبل الإخواني وحده ثمن فعلٍ صُنِع له لغويًا ونفسيًا، بينما ينجو المُنظِّر، ويستمر التنظيم.

5- لغة تُسقط الإختيار

” إلى أيّ شيء ندعو الناس… الحجة والبيان… فإن أَبَوَّاْ فالسيف والسَنَاَنِ
(حسن البنّا، رسالة إلى أيّ شيء ندعو الناس)

هذه العبارة يراد منها أن تُعيد تعريف الإنسان نفسه: كائنٌ تُمنح له فرصة واحدة للاختيار، فإن لم يختر “الصيغة التنظيمية للإيمان”، سُحبت منه إنسانيته، وصار هدفًا مشروعًا للعنف.
هي نقلة خطيرة من الدعوة بوصفها تبليغًا أخلاقيًا حرًّا، إلى الدعوة بوصفها إكراهًا مرحليًا مؤجَّلًا، يُغلّف بالحُجّة ثم يُختَم بالسيف.

هنا تسقط حرية الضمير سقوطًا كاملًا: فـ«الرفض» لا يُفهم بوصفه حقًا، بل بوصفه تمرّدًا يستوجب العقاب.
بهذا المنطق، لا تعود الدعوة نداءً بل إنذارًا؛ ولا يعود الاختلاف مساحةً إنسانية، بل مرحلة تمهيدية للصدام، وهذه هي البنية نفسها التي ستظهر لاحقًا عند القاعدة وداعش، مع اختلاف النبرة لا الجوهر: القاعدة ستُضخم الصيغة، فتُعيد تسميتها بـــ «قتال الطواغيت» وداعش ستنزع عنها القناع، لتقولها عارية: صليل الصوارم !!
لكن الأصل البنيوي واحد ، حين تُنتزع حرية الإنسان في الاختيار !

ومن هذا المنطق نفسه تولد المأساة داخل التنظيم، لا خارجه فقط،
فقصة سارة، ابنة القيادي الإخواني محمد علي، ليست حادثة شخصية معزولة، بل كاشفة لبنية كاملة: رجلٌ من داخل الجماعة يتهم قيادتها بتدبير أحداث رابعة بوصفها وسيلة للعودة إلى السلطة، فلا يُواجَه بالحُجّة، ولا يُحاسَب داخل إطارٍ أخلاقي، بل يقتل بدم بارد وفق شهادة ابنته، ثم تُغلَق القصة إخوانيا باسم “المرحلة” و“الضرورة” !!

هنا تتجلى اللغة حين تتحول إلى أداة قتل غير مباشرة: لغة تُقدّس “المشروع” أكثر من الإنسان، وتعتبر الفرد مادةً قابلة للاستهلاك، وتحوّل الدم إلى ورقة ضغط، ثم تتبرأ من الضحية باسم “الخلاف التنظيمي” !!، وبهذا المعنى، لا يعود السيف مجرد أداة مادية، بل امتدادًا لغويًا لمنطقٍ ألغى حرية الإنسان منذ السطر الأول.

6- صناعة الموت ..حين تُستبدل غاية الحضارة

“إنّ الأمة التي تُحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، ومن لم يُحسن صناعة الموت لن يُحسن صناعة الحياة

“(حسن البنّا، مقال «صناعة الموت» سبتمبر 1938 )
( أعيد نشره لاحقًا ضمن أدبيات الجماعة عام 1946 )

في هذه العبارات لا يُقدَّم الموت بوصفه احتمالًا تُكره عليه الأمم حين تُظلم، بل بوصفه صناعة؛ والصناعة ليست لحظة اندفاع، بل منهج: مواد خام، تدريب، تكرار، انضباط، ثم منتَجٌ نهائيّ يُسلَّم كما تُسلَّم الأدوات المدرسية !!
وهنا تقع النقلة الأخطر: حين يُقال “تُحسن صناعة الموت”، فالمطلوب ليس شجاعةً عارضة، بل تحويل الإنسان إلى قابليةٍ للاحتراق، وإعادة تعريف القيمة العليا لا باعتبارها عدلًا يُقام أو كرامةً تُصان، بل باعتبارها قابليةً منظَّمة للإفناء، تُدار وتُدرَّب وتُستَثمَر باسم التنظيم .

المفارقة أن العبارة تُزيّن هذا الزيف بطلاءٍ أخلاقي: “الموتة الشريفة”، ثم تُقيم معادلةً ملغومة: من لا يُحسن الموت لن يُحسن الحياة.

كأن الحياة ليست عمرانًا يُشاد ولا نظامًا أخلاقيًا يُبنى، بل جائزةٌ تُمنح لمن أتقن فن الفناء، وهكذا يُستبدل معيار الفضيلة من “صلاح الإنسان” إلى “قابليته للذبح”، ويصبح الامتحان الحقيقي ليس اتساع الرحمة ولا ضبط القوة، بل القدرة على تسليم الجسد للعدم تحت رايةٍ يرفعها التنظيم.

وهنا بالضبط يظهر الحمض النووي الذي ستتغذى عليه القاعدة ثم داعش: ترقية صناعة الموت إلى نموذج، فـ“الاستشهادي” لا يعود حالةً في ظرفٍ استثنائي، بل يتحول إلى القمّة الرمزية التي تُدار حولها التربية واللغة والتراتبية، والنتيجة ليست مجرد تحريض؛ بل إنشاءُ منظومةٍ نفسية داخل التنظيم تُحوِّل الموت إلى رأسمال معنوي: كلما ازداد استعداد الشبل الإخواني للموت، ارتفعت قيمته التنظيمية، وكلما بقي الإنسان في منطقة “التحفّظ” و” الاحتياط” و”السؤال”، انخفضت مرتبته، واتُّهم ضمنًا بضعف اليقين.

والأخطر أن لفظ “الصناعة” يجرّ معه كل ما يلازمه من برودٍ وظيفي: الدم يصبح “مادة”، والجسد يصبح “وسيلة”، والبلاد تتحول إلى “ميدان اختبار”، والإنسان يُعاد توصيفه باعتباره مشروعًا يُستثمر ثم يُستهلك.

والفارق بين هذا المنطق وبين جوهر الإسلام—كما نفهمه دفاعًا لا خصومة—أن الإسلام يجعل الدم آخر الأسوار حين تُظلم لا أولها، ويجعل القوة مقيدةً بالمقاصد والعدل والقدرة والمآلات، لا مطلقةً في يد جماعة تتقن إعادة تسمية الفناء فضيلةً ثم تُصدّره للأتباع كأسمى الأماني ، ويبقى دمار غزة شاهداً .
فإذا أصبحت “صناعة الموت” هي اللغة المؤسِّسة، فاعلم أن ما بعدها لن يكون إصلاحًا ولا هدايةً ، بل مصنعًا مفتوحًا لإنتاج الموت، مع شهادات ضمانٍ دينية مزوّرة.

7- كتيبة الله

“كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا بكثرة”
(حسن البنّا، رسالة إلى الشباب)

حين تُطلِق جماعةٌ على نفسها اسم “كتيبة الله”، فهي لا تُقدِّم توصيفًا تعبويًا بريئًا، بل تُعلن نقلةً خطيرة في الوعي: من الانتماء البشري إلى الوكالة الإلهية. في هذه اللحظة، لا يعود الآخر شريكًا في الوطن ولا مختلفًا في الرأي، بل يصبح خارج المعنى، خارج الاصطفاف، وخارج “كتيبة الله ” وهنا يبدأ المسار المنحدر: احتكار الفهم أولًا، ثم احتكار الشرعية، ثم —دون فجوة— احتكار العنف، فمن يرى نفسه “كتيبة الله” لا يعترف بإمكانية الخطأ، لأن الخطأ لا يُنسب إلى السماء، ولا يقبل المراجعة لأنها تعني التشكيك في التفويض الإلهي، وبهذه اللغة تُصاغ “الطليعة” الإخوانية لا بوصفها نخبة وعي، بل بوصفها أداة اقتحام “ميلشياوي” .

مجتمعٌ كامل يُعاد اختزاله إلى كتلتين: كتلة داخل كتيبة الله، وكتلة خارجها.

الأولى تُربّى وتُسلَّح وتُمنَح يقين الاصطفاء، والثانية تُعامَل إما كمادة قابلة للضم القسري، أو كعائقٍ يجب تجاوزه !!

القاعدة وداعش التقطتا هذا التصور وحوّلتاه إلى بنية تنظيمية لم يتبدّل الأصل، بل تبدّلت صور انكشافه.
فاللغة واحدة، والمنطق واحد: حين تتحوّل الجماعة إلى “كتيبة الله”، يتحوّل الوطن إلى ساحة، والسياسة إلى معركة صفرية.

هكذا تُستباح الدماء باسم حماية النص، ويُختزل الإسلام—وهو دين المقاصد والميزان والعمران—في صورةٍ قاسيةٍ تُنفّر ولا تُقنع، وتُدمّر ولا تُصلح.

وهكذا أيضًا تُنتَج، عبر عقود، شبكاتُ عنفٍ عابرة للحدود، لا تنشأ في الفراغ، ولا تعمل لحساب نفسها فقط، بل تُستثمر—وعيًا أو بلا وعي—في تفكيك الدول العربية، واستنزاف مجتمعاتها، وإشغالها بصراعات داخلية تفتح الطريق لمشاريع إقليمية كبرى لا تُربح من فوضى العرب إلا أعداء العرب .

إن القاعدة وداعش لم تهبطا من السماء، ولم تُخلقَا من فراغ، ولم تكونا “صدفة تاريخية” في صحراء السياسة العربية.

إنهما ثمرةُ مدرسةٍ بدأت حين قيل للناس إن الحقّ يُقاس بالقوة، وإن السلاح مرحلة طبيعية في اكتمال الإيمان، وإن التنظيم هو معيار الصدق، وإن السرّية فضيلة والتقية درعاً، وإن المجتمع مادة للتشكيل، وإن الطليعة وكيل عن الله، وإن الموت صناعة تُتعلَّم، وإن “المنهاج” ينتهي بالحكومة العالمية.

ولذلك، فإن مقاومة هذا الفكر ليست حربًا على الإسلام؛ بل هي إنقاذٌ للإسلام من اختطافه، وإنقاذٌ للأوطان من أن تُؤكل باسم السماء.

فالإسلام الحقّ لا يحتاج تنظيمًا سريا يرفع المصحف في يد والمسدس في يد؛ الإسلام الحقّ يحتاج عقلًا يزن، وقلبًا يرحم، ودولةً تحفظ الدم وتبني الحضارة، ومجتمعًا يختلف ولا يذبح المختلف.

متعلق مقالات

ظاهرة «التشيؤ» المقلقة
عاجل

أسرار أحمد موسى 

16 يناير، 2026
جهل يضر 2-2
عاجل

المعارضة تحت القبة

16 يناير، 2026
حسين مرسي
عاجل

رسالة عاجلة لمحافظ القاهرة..

16 يناير، 2026
المقالة التالية
رئيس جهاز العاشر من رمضان يتابع ميدانيًا أعمال تطوير المحاور ورفع كفاءة الطرق بالمدينة

رئيس جهاز العاشر من رمضان يتابع ميدانيًا أعمال تطوير المحاور ورفع كفاءة الطرق بالمدينة

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملحق الجمهورية التعليمي

الأكثر قراءة

  • بأمسية «تنوع المواهب».. البيت الروسي بالقاهرة يختتم أنشطة عام 2025

    ترقية 2079 عاملًا بـ«مياه القاهرة».. وصرف الآثار المالية يناير الجاري

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • «طبلية مصر» في موسمها الرابع.. رحلة من موائد الملوك إلى «أكل الشارع» بمتحف الحضارة

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • «قَبَسٌ من ذكرى الإسراء والمعراج»

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • تعليم الإسكندرية يستعد لامتحانات الشهادة الإعدادية

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
لوجو جريدة الجمهورية
جريدة الجمهورية هي صحيفة قومية أنشأتها ثورة 23 يوليو عام 1952, صدر العدد الأول منها في 7 ديسمبر 1953م, وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات هو أول مدير عام لها, ثم تعاقب على رئاسة تحريرها العديد من الصحفيين ويتولي هذا المنصب حالياً الكاتب الصحفي أحمد أيوب.

تصنيفات

  • أجراس الأحد
  • أخبار مصر
  • أهـلًا رمضـان
  • أهم الأخبار
  • إقتصاد و بنوك
  • الجمهورية أوتو
  • الجمهورية معاك
  • الدين للحياة
  • العـدد الورقـي
  • برلمان و أحزاب
  • تكنولوجيا
  • حلـوة يا بلـدى
  • حوادث و قضايا
  • رياضة
  • سـت الستـات
  • شهر الفرحة
  • عاجل
  • عالم واحد
  • عالمية
  • عرب و عالم
  • عقارات
  • فن و ثقافة
  • متابعات
  • مجتمـع «الجمهورية»
  • محافظات
  • محلية
  • مدارس و جامعات
  • مع الجماهير
  • مقال رئيس التحرير
  • مقالات
  • ملفات
  • منوعات

أحدث الأخبار

600 مليار جنيه رسوم سيادية للدولة

600 مليار جنيه رسوم سيادية للدولة

بقلم جريدة الجمهورية
16 يناير، 2026

القاهرة ـ طوكيو».. علاقات تعاون وثيقة وممتدة

القاهرة ـ طوكيو».. علاقات تعاون وثيقة وممتدة

بقلم عبير فتحى
16 يناير، 2026

عصمت يشهد مراسم توقيع اتفاقية تعاون استراتيجي في الصين لتوطين صناعة بطاريات تخزين الطاقة في مصر

عصمت يشهد مراسم توقيع اتفاقية تعاون استراتيجي في الصين لتوطين صناعة بطاريات تخزين الطاقة في مصر

بقلم محمد‭ ‬تعلب
16 يناير، 2026

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©

لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
إتصل بنا

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©