رب ضارة نافعة.. يندرج هذا القول على الهجمة العشــوائية التى تعرضــت لها ســــيدة الغنــاء العربى «أم كلثوم» حتى ولو كان ذلك بحسن نية.
وكان النفع كبيراً خاصة للأجيال الجديدة من النشء والشباب الذين لم يعاصروا ابداعات كوكب الشرق وروائعها الغنائية التى أمتعت النفوس والقلوب وحلقت بالذوق الفنى الى السحاب على مدى قرن من الزمان.
فقد شمرت الوسائل الإعلامية وفى مقدمتها الصحف والإذاعة والتليفزيون برد الاعتبار إلى تلك القامة العظيمة التى يفترض أن يتحرى القائمون الجدد للخوض فى سيرتها على الدقة والأمانة، ولايخضعون لأمور شخصية لا ترقى للتعامل مع هذه الفنانة الاستثنائية فى تاريخ الفن العربي.
كان واحداً من تلك الاشعاعات التنويرية التى ردت الاعتبار لسيدة الغناء العربى وفى نفس الوقت أمتعت قراء الصحف الذين لا يزالون يجدون فيها الثقافة والمصداقية تلك الحلقات أو المذكرات المسلسلة التى نشرتها صحيفتنا الغراء «الجمهورية» على مدى سبعة أيام متوالية بعنوان «ستنا» سيرة منسية لأم كلثوم.
تحتل صفحة كاملة باخراج رائع وصور تاريخية لـ»الست» والشخصيات البارزة من نجوم صنعوا هذه المعجزة الغنائية فى فترة العشرينيات من القرن الماضي.
وبالتأكيد.. يحسب لرئيس التحرير المبدع الأستاذ أحمد أيوب هذه اللفتة الصحفية الذكية التى اعتمدت على مذكرات للسيدة أم كلثوم تعد منسية نشرت على صفحات «الجمهورية» فى يناير من عام 1970.. وكما يقول الكاتب الصحفى القدير الأستاذ محمد جلال فراج الذى أشرف على التقديم لهذه المذكرات أنها كتبت بعين الست لأن كاتبها هو ابن أختها محمد الدسوقى ورفيق رحلة نجاحها من جانب كبير من حياتها ومعه صحفى مخضرم من أساتذة «الجمهورية» الأوائل هو الأستاذ صلاح درويش -رحمه الله- وقد كتبت فى تلك الفترة التى كانت فيها الست فى قمة تألقها ورسالتها النبيلة بدعم المجهود الحربى بعد نكسة 1967.
>>>
فى الحقيقة يصعب سرد الكثير من الوقائع التى حفلت بها تلك المذكرات.. ولكن أمتع ما فيها أنها صورت أجواء المرحلة الشاقة فى بداية صعود نجم أم كلثوم فى فترة العشرينيات والصراع الإنسانى الذى عاشته الفتاة الصغيرة بين التمسك بتقاليد قريتها الصغيرة طماى الزاهيرة بالسنبلاوين ونجاحها فى فرض ارادتها بتقديم الفن الراقى الرفيع وسط حالة الصخب الغنائى الذى كان يسود فى مسارح القاهرة، والحملات الصحفية المغرضة التى تعرضت لها من نجمات كبيرات كن يسيطرن على ساحة الطرب فى مصر بل والقطر العربى بأسره.. ولكنها وجدت المساندة والدعم من بعض كبار الصحفيين الذين دعموا مسيرتها فى البدايات وغيروا وجهة نظر والدها الذى كاد يخضع لهدف هؤلاء المغرضين لكى تعود مرة أخرى إلى قريتها لتغنى فى الموالد بالأقاليم ويحرم العالم العربى من هذه المعجزة الغنائية الخالدة.
>>>
حكايات جميلة ومثيرة تذخر بها هذه المذكرات المنسية التى تؤرخ أيضاً لأجواء الاحتفاء بالفن والغناء فى قصور الوجهاء والباشاوات وكيف استطاعت أم كلثوم أن تفرض فنها بمساندة ملحنين عظام يأتى فى مقدمتهم الموسيقار محمد القصبجى الذى اعتقد انه كان يستحق الكثير فى تاريخ الفن المصرى بتلحينه للروائح المجددة فى الموسيقى جنباً إلى جنب العمالقة زكريا أحمد والسنباطى ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدى.
ولعل المسلسل الذى يذيعه الآن التليفزيون المصرى ويؤدى فيه شخصية الفنان الراحل أحمد راتب يعيد بعضاً من حق هذا الموسيقار الكبير الذى لم يعاصره البعض سوى عواد يتصدر المشهد خلف سيدة الغناء العربى فترة طويلة قبل رحيله.. وكذلك أشارت المذكرات إلى موسيقيين عظام كانوا فى فرقتها الموسيقية فى البدايات مثل الموسيقار سالى الشوا الذى كان له بصماته خاصة فى الأوبريتات الاستعراضية فى الأوبرا المصرية والمسرح الغنائى».
>>>
حقاً لقد أمتعتنا «الجمهورية» التى تحيى الآن دوراً مطلوباً للصحافة الورقية القادرة على البقاء وإعادة القارئ إليها مرة أخرى بمثل هذه الابداعات الصحفية الملهمة.









