اختلط الحابل بالنابل، ما بين جيوش وعصابات وجماعات وتنظيمات ومليشيات، تتصارع وتتقاتل وتتواجه وتنفق مليارات الدولارات على الأسلحة والمقاتلين، فى عدد من بلداننا العربية، لدرجة أننا لم نعد قادرين على فهم ما يحدث من صراعات واقتتال وفتن كقطع الليل المظلم، لم نعرف لها مثيلا من قبل، ولم يسجل التاريخ أمثالها أبدا، وشعوبها تعيش فى فقر وعوز وحياة مقفرة وتخلف وجهل ومرض وبنى تحتية وطرق متهالكة، وتنمية معدومة.
عن نفسى، أصبحت لا أعرف ولا أستطيع أحيانا أن أميز أو أفرق بين تلك المجموعات المتقاتلة ولا مسمياتها الكثيرة ولا اتجاهاتها ولا أهداف كل منها على حدة، كلهم يدعون الوطنية والعمل من أجل بلادهم ويزعمون أنهم على حق يقتلون ويكبرون، يذبحون ويهللون، يموتون ميتة الكلاب فى الشوارع ولا يقبرون، فتن لم نسمع عنها من قبل.
عندما ننظر إلى الدول العربية من حولنا لا أدرى حقيقة من يقاتل من فى سوريا، جبهات مفتوحة ومسميات مختلفة كلها تتخذ من الوطنية شعارا ومن التضحية رايات وهتافات، وفى اليمن أيضا لانعرف من ضد من ولا ماذا يريدون، وفى السودان عصابة تقف فى وجه الجيش الوطنى تعمل على تفتييت البلاد وتعيق التنمية وتضرب الاستقرار من أجل السلطة والمال، وليبيا التى لم تعرف الاستقرار منذ سقوط نظام القذاقي، واقتحمتها جماعات من ملل ونحل وغرباء يحاولون تقسيمها وتفتيتها، وجزء أصيل من الصومال ينتحل له اسما جديدا ويبحث عن الانفصال بأيدى شرذمة تتحالف مع الشياطين، هذا بجانب القلاقل وعدم الاستقرار فى عدد آخر من الدول.
لقد كانت أحداث ماسمى بالربيع العربى خبيثة مخربة، معروفة الهدف ومعلنة وحتى من كانوا وراءها لا يختبئون وراء شجرة ولا يستترون بعود من القصب، بل كانت مقاصدهم واضحة وضوح الشمس، قاموا بتدريب شباب من أبناء كل دولة ليعودوا إليها تحت مسميات النشظاء والحقوقيين والجمعيات الأهلية، وأشعلوا لهم الفتن التى تلاعبوا فيها بشعارات براقة تجذب البسطاء ليشارك الجميع فى تخريب بلادهم بأيديهم وأيدى من يمولونهم ويدفعونهم إلى التهلكة، وكل ذلك بحجة التخلص من الأنظمة التى قالوا إنها دكتاتورية، وضربوا على أوتارحقوق الإنسان والعيش والحرية، والأغبياء المنفذون لا يفهمون ولا يتعلمون الدروس ولا يستفيدون من تجارب الآخرين.
انطلت الألاعيب على الكثيرين ونجحت المرامى الخبيثة فى دمار العديد من الدول التى مازالت تحاول القيام من كبوتها، فالكثير منها قد أصابه الكساح والعجز ولم يعد قادرا حتى على الزحف على الأرض، وتجددت الصراعات فيها، لا بحثا عن حرية ولا تخلصا من نظام حاكم، لكن بهدف التفتييت والتقسيم، الذى يلتقى عليه المحرضون والممولون من الخارج، والأيدى المخربة المنفذة من الداخل.
منظمات بتقارير مغرضة، ودول محرضة تطمح فى السيطرة على مقدرات ضحاياها وثرواتها، لا تدفع بأبنائها ولا جيوشها إلى قتال، إنما تعتمد على الخونة والعملاء الحالمين بالثراء والسلطة، وتمدهم بالمال والسلاح والوعود البراقة.
نحن لم نكن بعيدا عن تلك الزلازل والاضطرابات، واهتزت بلادنا فى أحداث يناير، لكن بفضل الله ورعايته، ثم وعى هذا الشعب وتماسكه، وإخلاص أبنائه فى القوات المسلحة والشرطة وكل المؤسسات، وقفنا صامدين أمام الهجمات البربرية والمخططات التى دبرت بليل، بمشاركة بعض من ينتمون إلى الوطن وهم لا يستحقون شرف الانتساب إليه، وتكشفت حقيقة وجوههم القبيحة بعدما سقطت الأقنعة.
ومنذ أن تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى المسئولية وهو يحذر من خطر التفكك والتشرذم والاختلاف، ويكرر ذلك، ولم يكن حديثه خاصا بأبناء مصر وحدها، بل وجهه لكثير من أبناء بعض الدول ناصحا أمينا لهم بأن يتمسكوا بوحدة بلادهم وعدم السماح بإيجاد ثغرات ينفذ من خلالها الخونة والعملاء، وأن يفوتوا الفرص على المتآمرين ومن يساندهم.
الموقف المصرى ثابت وراسخ لا يتغير، بالرفض القاطع لأى محاولات لتقسيم أى دولة عربية أو إضعافها، أو انهيار مؤسساتها، وعدم القبول بوجود كيانات موازية فيها، أو المساس بأمنها القومي، فالرسالة المصرية واضحة بلا غموض، المهم أن يفهم الآخرون.









