يطلّ علينا عام 2026 مثقلاً بتركة ثقيلة من الأزمات المتشابكة التى لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية أو الفواصل السياسية؛ حيث تتداخل الصراعات العسكرية مع الاستقطابات الهوياتية، والتوظيف السياسى للدين، فى مشهد عالمى شديد التعقيد، وفى هذا التقرير نرصد كيف تحوّل الشتاء فى قطاع غزة من فصل للبرد إلى فصلٍ لـ «الموت الصامت» تحت وطأة الأوبئة والحصار، وكيف تتآكل أسس الدولة القومية لصالح الميليشيات والهويات الدينية المتصارعة، سواء داخل العمق الإسرائيلى أو فى بؤر التوتر حول العالم، ونكشف عن مشهد دولى يتصدره صعود اليمين المتطرف، وتراجع منظومات القانون الدولي، وتنامى خطاب الكراهية، بما يهدد السلم المجتمعى العالمى ويُنذر بمزيد من عدم الاستقرار.
القضية الفلسطينية
تحوّل فصل الشتاء فى قطاع غزة إلى «سلاح صامت» يفتك بالسكان، فى ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، وتصاعد غير مسبوق فى حالات الإصابة بالإنفلونزا الموسمية، وما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله فى أزمة صحية عابرة، بل يمثل خطراً وجودياً يهدد الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، نتيجة التعمد فى تغييب الأدوية والمضادات الحيوية، وانعدام وسائل التدفئة داخل الملاجئ المكتظة.
ويُشَكِلُّ إلغاء إسرائيل تراخيص 37 منظمة دولية، من بينها «أطباء بلاحدود» و«المجلس النرويجى للاجئين»، فى ديسمبر 2025، ضربة قاصمة لشبكات الإمداد الطبي، ويدفع النظام الصحى فى غزة إلى حافة الانهيار الكامل، وفى السياق ذاته، تعكس البيانات الإسرائيلية حالة متزايدة من عدم الاستقرار الداخلي؛ فبينما ارتفعت هجرة اليهود الفرنسيين إلى إسرائيل بنسبة 45 ٪ خلال عام 2025، نتيجة تصاعد حوادث معاداة السامية فى فرنسا، شهدت إسرائيل فى المقابل مغادرة أكثر من 79 ألف مواطن خلال العام نفسه، فى مؤشر دال على عمق الأزمة الأمنية والسياسية والانقسام المجتمعى الداخلي.
وعلى الصعيد السياسي، تبرز مشاريع مثل «مجلس السلام فى غزة» المدعوم أمريكياً، وخطط «غزة الجديدة» لإعادة الإعمار، إلا أن هذه الطروحات تصطدم بواقع ميدانى أصبح معقداً، ترفض فيه القوى الفاعلة نزع السلاح، بينما تحذّر منظمات حقوقية من أن تتحول تلك الخطط إلى غطاء لـ «إعادة هندسة ديموجرافية» تخدم مصالح الاحتلال على حساب السكان الأصليين.
أما فيما يتعلق بالمسجد الأقصي، فقد تجاوزت الانتهاكات فى القدس المحتلة كل الخطوط الحمراء؛ إذ سجّل عام 2025 قفزة تاريخية فى عدد المقتحمين، بلغت 76,448 مقتحم، بزيادة قدرها 31 ٪ عن العام السابق. ويرى المرصد أن هذا الرقم، الذى تضاعف سبع مرات خلال عقد واحد مقارنة بعام 2015، يعكس تحولاً بنيوياً داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث انتقلت اقتحامات الأقصى من سلوك هامشى إلى ممارسة جماعية تقودها «جماعات الهيكل» التى باتت تتمتع بنفوذ متزايد فى دوائر صنع القرار.
وفى الداخل الإسرائيلي، تحوّل منصب «حاخام تل أبيب» إلى ساحة صراع حاد بين تيار الدولة المدنية وتيار الدولة الدينية السلطوية، الذى يقوده حزب «شاس»، وبالتوازي، يبرز «قانون إعفاء الحريديم من التجنيد» كقنبلة سياسية موقوتة؛ إذ يحاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كسب الوقت لمنع انهيار حكومته عبر إرضاء الأحزاب الدينية لضمان تمرير ميزانية 2026. ويأتى ذلك فى ظل خطاب تصعيدى أطلقه الحاخام دوفلاندو، أكد فيه أن «الحريديم لن يتركوا التوراة أبداً»، فى تعبير صريح عن قطيعة أيديولوجية مع مفهوم الدولة الحديثة.
خارطة التطرف العالمى
فى سوريا، وبعد عام على سقوط النظام السابق، دخلت البلاد نفق صعب وتدهور اقتصادى حاد، وفى هذا السياق، نفذت فرنسا وبريطانيا ضربات جوية مشتركة ضمن عملية «العزم الصلب»، استهدفت شبكة أنفاق ومنشآت تابعة لتنظيم «داعش» شمال تدمر، لتخزين الأسلحة والمتفجرات، ولم تسفر العملية عن إصابات مدنية، فى إطار إستراتيجية تهدف إلى منع التنظيم من استعادة قدراته العملياتية بعد هزيمته الإقليمية عام 2019، وتأتى هذه الضربات وسط قلق دولى متزايد عقب هجمات سابقة، شملت تفجيراً داخل كنيسة فى دمشق وهجوماً على قاعدة عسكرية أوقع قتلى من الجنود الأميركيين والسوريين، ما دفع واشنطن وحلفاءها إلى التحرك لاحتواء الخطر المتجدد.
وفى أوروبا، تستعد فرنسا لمحاكمة مراهق يبلغ من العمر 16 عاماً بتهم تتعلق بالتحضير لهجوم إرهابى والانتماء لتنظيم متطرف، فى قضية تعكس خطورة الاستقطاب الرقمى وتسارع وتيرة التطرف بين القُصّر.
أما فى آسيا، وتحديداً داخل باكستان، فقد تحولت أقاليم «خيبر بختونخوا» و»بلوشستان» إلى مسارح لسياسة «الأرض المحروقة»، فلم يعد الإرهاب يكتفى بالكمائن العسكرية، بل بات يستهدف المنشآت الاقتصادية الحيوية، مثل مصانع الأسمنت وخطوط السكك الحديدية، بالتوازى مع تصفية الرموز السياسية ولجان السلام، بهدف إفراغ الساحة من أى صوت معتدل.
ولم يقتصر هذا التغوّل على العنف الميداني، بل امتد إلى «حرب فكرية» ممنهجة تستهدف المؤسسات التعليمية والجامعات؛ إذ رصد المرصد تهديدات إلكترونية صادرة عن جماعات مرتبطة بـ «طالبان باكستان»، تسعى إلى فرض هيمنة أيديولوجية ظلامية بالقوة، وتصف التعليم بأنه ركيزة إستراتيجية يجب تدميرها لمنع تحصين المجتمعات.
تصاعد خطاب الكراهية فى الغرب
هناك تصاعد مقلق فى جرائم الكراهية ضد مسلمى الغرب؛ ففى بريطانيا وأستراليا، سجلت حوادث الإسلاموفوبيا ارتفاعاً وصل إلى 200 ٪، مع استهداف مباشر للنساء المحجبات والمساجد، وهذه الظاهرة لم تعد حوادث فردية معزولة، بل نتيجة تفاعل خطير بين إعلام غير منضبط ومنصات رقمية تُضخّم السرديات المتطرفة، وتُكرّس صورة المسلم بوصفه «الآخر الدائم الاشتباه».
وفى النهاية نخلص إلى حقيقة جوهرية مفادها أن المواجهة الأمنية والعسكرية، رغم ضرورتها القصوي، غير كافية وحدها لاحتواء هذا الانفجار العالمي. فالعالم بحاجة ماسة إلى انتفاضة فكرية وقانونية شاملة تعالج جذور الكراهية، وتُجرّم التحريض الرقمى العابر للحدود، وتعيد الاعتبار لمنظومات العدالة وحقوق الإنسان، ونؤكد أن ترسيخ قيم التعددية، وحماية حق الآخر فى الاختلاف، إلى جانب تعليم تنويرى يحترم المقدسات ويفكك أوهام التفوق العرقي، يمثل حائط الصد الحقيقى القادر على إنقاذ البشرية من الانزلاق نحو فوضى الكراهية الشاملة.
وفى هذا السياق، نحذر أن عام 2026 قد يكون عام الحروب متعددة الجبهات، لكنه قد يكون أيضاً عام صحوة الضمير العالمي، إذا ما أدركت القوى الدولية أن تآكل حقوق الإنسان فى غزة، وتصاعد الكراهية فى أوروبا، وجهان لعملة واحدة تهدد استقرار البشرية جمعاء.









