فى كل دورة برلمانية جديدة، يتجدد المشهد نفسه تقريبًا: وجوه جديدة تدخل القاعة، شعارات مألوفة تُرفع، ووعود تُقال بثقة تشبه اليقين. البرلمان يتغير شكليًا، لكن الأسئلة الكبرى تبقى كما هي، معلّقة فى الهواء منذ سنوات طويلة، كأحلام مؤجلة لم تجد بعد من يتبناها بجدية أو يحوّلها إلى سياسات قابلة للحياة.
>>>
المصريون لا يحلمون كثيرًا، ولا يطلبون المستحيل. أحلامهم بسيطة فى ظاهرها، لكنها عميقة فى معناها: عدالة اجتماعية حقيقية، فرص عمل كريمة، تعليم يحترم العقل لا يرهقه بالحفظ، صحة لا تتحول إلى عبء مالي، وقانون يُطبّق على الجميع دون استثناء. هذه الأحلام ليست جديدة، ولم تولد مع البرلمان الحالي، بل سبقت برلمانات كثيرة، وتراكم عليها الغبار مع مرور الوقت.
>>>
البرلمان الجديد يأتى فى لحظة شديدة الحساسية. ضغوط اقتصادية خانقة، تحولات إقليمية متسارعة، وتغيرات اجتماعية فرضت نفسها على بنية المجتمع.
فى مثل هذا السياق، لا يكفى أن يكون البرلمان «موجودًا»، بل يجب أن يكون فاعلاً، واعيًا بدوره، ومدركًا أن التشريع لم يعد مجرد نصوص قانونية، بل أدوات لتخفيف الألم وصناعة الأمل.
>>>
أحد أكبر الأحلام المؤجلة للمصريين هو أن يشعروا بأن البرلمان يمثّلهم بالفعل، لا بوصفه تجمعًا للنخب أو امتدادًا لمصالح ضيقة. التمثيل الحقيقى لا يُقاس بعدد المقاعد ولابتنوع الخلفيات، بل بالقدرة على نقل هموم الشارع إلى قاعة التشريع، وصياغتها فى قوانين وسياسات تلمس حياة الناس اليومية. المواطن البسيط لا ينتظر خطابات رنانة، بل أثر ملموس يشعر به فى دخله، وفى خدماته، وفى كرامته.
>>>
كما يحلم المصريون ببرلمان يملك شجاعة الأسئلة الصعبة. برلمان لا يكتفى بالموافقة أو الرفض، بل يناقش، يراجع، ويحاسب. الرقابة البرلمانية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لضمان كفاءة الأداء الحكومى وحسن إدارة الموارد. حين تغيب الرقابة الجادة، تتحول القوانين إلى أوراق بلا روح، وتفقد الدولة إحدى أهم آليات تصحيح المسار.
>>>
ومن بين الأحلام المؤجلة أيضًا، حلم التشريع العادل والمتوازن. كثير من القوانين صدرت فى فترات استثنائية، تحت ضغط الوقت أو الظروف، دون حوار مجتمعى كافٍ. البرلمان الجديد أمامه فرصة تاريخية لإعادة النظر فى هذه المنظومة التشريعية، ليس من باب الهدم، بل من باب التطوير والتحديث. القوانين يجب أن تواكب الواقع المتغير، وتحمى الفئات الأضعف، وتشجع الإنتاج لا المضاربة، والعمل لا التحايل.
>>>
ولا يمكن تجاهل حلم الشباب، ذلك الحلم الذى طال انتظاره. الشباب لا يبحثون عن تمثيل رمزى أو شعارات موسمية، بل عن سياسات تفتح أمامهم أفقًا حقيقيًا للمشاركة والعمل. البرلمان الجديد مطالب بأن ينظر إلى الشباب باعتبارهم طاقة وطنية لا مشكلة اجتماعية، وأن يضع تشريعات تحفّز الابتكار، وتدعم المشروعات الصغيرة، وتكسر الحلقة المفرغة بين البطالة والإحباط.
>>>
فى المقابل، هناك فجوة واضحة بين أحلام الناس وقدرتهم على التصديق. سنوات طويلة من الوعود غير المكتملة خلقت حالة من الشك، بل اللامبالاة أحيانًا.
استعادة الثقة لن تكون سهلة، ولن تتحقق بالكلمات.. الثقة تُبنى بالفعل، وبالاستمرارية، وبالقدرة على الاعتراف بالأخطاء قبل الادعاء بالكمال.
>>>
البرلمان الجديد لا يبدأ من فراغ، ولا يتحرك فى مساحة مثالية. هناك قيود، وتوازنات، وتعقيدات يعرفها الجميع. لكن ما يميّز اللحظات الفارقة هو القدرة على استغلال المتاح بأقصى قدر من المسئولية. التاريخ لا يتذكر عدد القوانين التى صدرت، بل يتذكر القوانين التى غيّرت حياة الناس.
>>>
فى النهاية، تبقى الأحلام القديمة معلّقة على أمل جديد. المصريون لا ينتظرون معجزة، بل ينتظرون برلمانًا يدرك أن شرعيته الحقيقية لا تأتى من الصندوق فقط، بل من قدرته على أن يكون صوتًا للناس، وضميرًا للدولة، وجسرًا بين الواقع الصعب والمستقبل الممكن. فهل يكون البرلمان الجديد خطوة نحو تحقيق تلك الأحلام المؤجلة، أم حلقة جديدة فى سلسلة الانتظار؟ الإجابة، كالعادة، لن تأتى فى الكلمات، بل فى الأفعال.









