في عالم تتشابك فيه الأزمات وتتراجع فيه اليقينيات، تصبح السياسة الخارجية أداة لإدارة المخاطر قبل أن تكون وسيلة لبناء النفوذ. ومن هذا المنطلق، جاء عام 2025 ليعكس مرحلة متقدمة في مسار العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، مع تدشين إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة، الذي مثّل انتقالاً من التعاون التقليدي إلى مقاربة أكثر شمولاً وتنظيماً.
وانطلاقاً من توجه الدولة المصرية نحو تعزيز ركائز الأمن القومي وتنشيط دوائر السياسة الخارجية، شهد هذا العام تحركات مكثفة أعادت رسم ملامح العلاقة المصرية الأوروبية، سواء على المستوى الثنائي أو في الإطار متعدد الأطراف.
أولاً: قمة بروكسل.. لحظة مفصلية في مسار الشراكة
مثّل انعقاد القمة المصرية الأوروبية الأولى من نوعها في بروكسل خلال شهر أكتوبر 2025 محطة فارقة في تاريخ العلاقات بين الجانبين، بمشاركة فخامة رئيس الجمهورية وقادة دول ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.
ولم تكن القمة مجرد لقاء رمزي، بل عكست إدراكاً أوروبياً متزايداً للدور المحوري الذي تضطلع به مصر في محيطها الإقليمي، كما أسست لمرحلة جديدة من الشراكة المؤسسية. وشهدت القمة التوقيع على حزمة موسعة من الاتفاقات في مجالات حيوية، كان من أبرزها انضمام مصر إلى برنامج “هورايزون أوروبا”، بما يعزز حضورها في منظومة البحث والابتكار الأوروبية.
وبالتوازي مع القمة، انعقد منتدى استثماري رفيع المستوى، أسهم في ترسيخ مكانة مصر كشريك استراتيجي للجانب الأوروبي، وربط الشراكة السياسية بأبعاد اقتصادية وتنموية أكثر عمقاً.
ثانياً: دبلوماسية نشطة ومسارات متعددة
خلال عام 2025، كثفت مصر تحركاتها لتعزيز شبكة علاقاتها مع الدوائر الأوروبية عبر استراتيجية متعددة المسارات، انعكست بوضوح في كثافة الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات.
فقد بلغ إجمالي الزيارات رفيعة المستوى بين مصر والدول الأوروبية 42 زيارة، شملت رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية، وهو مؤشر يعكس مركزية العلاقات المصرية الأوروبية في حسابات الطرفين. كما عقدت مصر 13 جولة مشاورات سياسية مع دول أوروبية مختلفة، وفرت منصة مهمة لتبادل الرؤى وطرح وجهة النظر المصرية بشأن قضايا الأمن الإقليمي والدولي.
ومن منظور تحليلي، تعكس هذه الكثافة في التواصل انتقال العلاقات من “إدارة الملفات” إلى “إدارة الشراكة”.
ثالثاً: تعزيز الشراكات الثنائية داخل الإطار الأوروبي
شهد عام 2025 كذلك ترفيع العلاقات الثنائية مع عدد من الدول الأوروبية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، من بينها فرنسا وإسبانيا واليونان، مع توقيع اتفاقات نوعية شملت مجالات متعددة، من ضمنها ملف الهجرة.
وكترجمة عملية لهذا التقارب، عقدت خمس دورات للجان الاقتصادية المشتركة ومجالس الأعمال، وهو ما انعكس إيجابياً على تطوير العلاقات التجارية والاستثمارية والاقتصادية، وربط البعد السياسي بمصالح اقتصادية متبادلة.
رابعاً: الدور المصري في الإطار الأورومتوسطي
في السياق الأورومتوسطي، واستكمالاً لدور مصر الريادي في محيطها الإقليمي، انخرطت مصر بفاعلية في عملية صياغة “ميثاق المتوسط” منذ مراحله التشاورية الأولى، وصولاً إلى إطلاقه رسمياً خلال اجتماع وزراء دول عملية برشلونة في نوفمبر الماضي.
ويجري حالياً إعداد الإسهام المصري في خطة العمل المنبثقة عن الميثاق، بما يضمن ترجمة مستهدفاته إلى مخرجات عملية تتسق مع أولويات المصلحة الوطنية المصرية.
خاتمة
يعكس عام 2025 نجاح الدولة المصرية في إعادة هندسة علاقتها مع أوروبا، لتنتقل من مرحلة التعاون إلى شراكة استراتيجية شاملة حقيقية، قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتعظيم العائد السياسي والاقتصادي والتنموي من مختلف الأطر الثنائية ومتعددة الأطراف.
ومن خلال رؤية موضوعية تتابع هذا المسار، يبدو هذا التحول نموذجاً لعلاقة دولية تُدار بالواقعية والتنظيم لا بالشعارات. وتؤكد مؤشرات هذا العام التزام الدولة المصرية بمواصلة البناء على هذه المكتسبات، بما يخدم أولويات التنمية الوطنية، ويرسخ دور مصر كشريك موثوق وفاعل على الساحتين الأوروبية والمتوسطية.









