من الأحاديث النبوية التى يتوقف أمامها المرء أو التى يجب أن نتوقف أمامها ونتأملها ونفهم سرها وهدفها قوله «صلى الله عليه وسلم» :أقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون.
فإذا علمنا أن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» هو الأعلى مكانة يوم القيامة وصاحب الدرجة الرفيعة وهو الشافع المشفع ومن حوله النبيون والصديقون والشهداء إذن فإن حسن الخلق الذى يجعل أصحابه الأقرب من رسول الله «صلى الله عيه وسلم» هو أجل الأعمال عند الله لأنه جماع الدين والمسئولية الكبرى للنبى صلوات الله وسلامه عليه وقد أعلن ذلك حين قال: « إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق».
أما هذه المكانة العظيمة فلأن حسن الخلق أمر لا يتحقق للإنسان إلا بجهاد طويل للنفس يدربها صاحبها فيه على التخلى عن رذائلها والتحلى بالفضائل حتى تصبح قادرة على كظم الغيظ وكبح جماح الغضب والطمع والشهوات حتى لا تتصرف إلا بكل جميل وتظل على هذا الجهاد الى ان يصبح الخلق الحسن لها سجية بعد أن كان إلزاما يتم على إكراهها عليه من صاحبها فى مرحلة الترويض والتدريب.
ومن يتأمل قوله تعالى: «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» يدرك ما فى كلمة «الكاظمين» من معاناة وتحمل حتى يمسك الإنسان نفسه عن الانفجار بالغضب، بل قد يتجاوز ذلك فيعفو ثم يبلغ أعلى الدرجات فيحسن إلى من أساء.
ومن يتأمل قوله تعالي: «ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم» يدرك أن صراعا نفسيا فى داخل الإنسان الذى وقع عليه الاذى وتدفعه نفسه الى الرد بالأذى أيضا أو بأذى أشد لكنه يتحامل على نفسه ويرد بالحسنة بل بالاحسن، والامر فى الآية بأن يقدم الانسان الحسنة ويؤخر السيئة لأن الحسنة هى الأحسن، إذن الامر يحتاج تدريبا وجهادا.
والسؤال: لماذا تصل مكانة حسن الخلق الى هذه الدرجة حتى يكون أصحابها الأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليسوا قريبين فقط.
والإجابة: لأن حسن الخلق من شأنه أن يغير المجتمعات تغييرًا شاملاً فينقلها من مجتمعات مبغضة متشاحنة متربصة بعضها ببعض الى مجتمعات متسامحة متعاونة متراحمة محبة مصلحة.
أى أن حسن الخلق يجعل من كان حقه أن ينتقم لنفسه ولا لوم عليه لأن الاذى قد وقع عليه «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به « متسامحًا فى حقه بل يتجاوز ذلك إلى العفو والى الإحسان إلى المسىء « فمن عفا وأصلح فأجره على الله».
لذا فإن الخالق العظيم جعل أجر من يصل فى كرمه وحلمه وسجاياه الى هذه الدرجة عليه سبحانه وتعالى بلاحد يعرف وإذا كان الأجر على أكرم الاكرمين فلا عجب أن يكون مكان هؤلاء هو الاقرب من رسول الله «صلى الله عليه وسلم».
والحديث النبوى وهو يفصل سجايا هؤلاء المحظوظين بالقرب من يقول «الموطئون أكنافا» أى المتواضعون على ما هم عليه من قوة ومقدرة فلا ينفر منهم صاحب حاجة «الذين يألفون ويؤلفون» أى انهم أهل تقارب وتواد فيألفون الناس ويألفم الناس. فاللهم اجعلنا منهم.. وأنت القادر على ذلك.









