الشوارع الآمنة لا تُدار بالنوايا الحسنة، ولا تُحمى بالبيانات العامة، بل بالإدارة الصارمة، وتفعيل القانون، والمساءلة الواضحة. ومع توافر الإرادة، يصبح الحل ممكنًا، وتتحول الأزمات من عبء مزمن إلى ملفات منضبطة. فالرفق بالحيوان قيمة إنسانية ثابتة، لكن حماية الإنسان مسئولية مباشرة لا تقبل التأجيل أو المواربة.
وأقول بوضوح: كان يجب أن يكون الحديث عن هذه القضية أشد وأقوى من ذلك، لأننا لا نناقش ملفًا هامشيًا، بل واحدة من أخطر القضايا التى تمس حياة المواطن المصرى يوميًا. فعندما نتحدث عن ظاهرة «الكلاب الضالة»، فنحن لا نناقش مشهدًا عابرًا أوقضية موسمية، بل ملفًا مزمنًا يمس الأمن الصحى والسلامة العامة بصورة مباشرة، ويتطلب تعاملًا حاسمًا لايحتمل التراخى أوالحلول المؤقتة.. البيانات الرسمية تشير إلى تسجيل أكثر من 400 ألف حالة عقر سنويًا، وهو رقم صادم وكاشف لحجم المشكلة، حتى دون احتساب الحالات غير المسجلة فى القرى والنجوع والمناطق البعيدة. هذا الرقم لا يعكس مجرد إصابات عابرة، بل يكشف عن خلل ممتد فى إدارة ملف يمس سلامة المجتمع ككل، ويعنى عمليًا آلاف الأسر التى تعيش القلق، وأطفالاً يتحول طريقهم اليومى إلى المدرسة إلى مساحة خوف غير مقبولة فى دولة تسعى إلى الاستقرار والتنمية.
ومن الزاوية الصحية، تمثل كل حالة عقر احتمالاً قائمًا للإصابة بمرض السعار، أحد أخطر الأمراض الفيروسية القاتلة. ويترتب على ذلك علاج طويل وإجراءات وقائية صارمة، تستهلك وقت المواطن وجهده، وتضعه تحت ضغط نفسى شديد. أما اقتصاديًا، فتتحمل الدولة تكلفة ضخمة لتوفير الأمصال والعلاج مجانًا، فى وقت تخوض فيه معركة حقيقية لترشيد الإنفاق وتعظيم الاستفادة من الموارد. وهنا تتجسد المفارقة بوضوح: الدولة تتحمل العبء كاملًا، بينما تستمر مسبباته فى التوسع داخل الشارع بلا ضبط كافٍ.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الدولة تحركت تشريعيًا، بإصدار القانون رقم 29 لسنة 2023 لتنظيم التعامل مع الحيوانات الخطرة وكلاب الشوارع، واضعة إطارًا قانونيًا متوازنًا يراعى سلامة الإنسان والرفق بالحيوان فى آن واحد. غير أن الواقع يفرض الاعتراف بأن الفجوة لا تزال قائمة بين النص والتطبيق، وأن التحدى الحقيقى لم يعد فى وجود القانون، بل فى آليات التنفيذ، وتكامل الأدوار، والالتزام الصارم بالمسئوليات.. فالمسألة اصبحت لاتحتمل حلولاً متطرفة أو ارتجالية، فالإبادة العشوائية مرفوضة أخلاقيًا وإنسانيًا، وترك الشوارع بلا تنظيم مرفوض واقعيًا وأمنيًا. وبين هذا وذاك، يظل الحل العلمى هو المسار الوحيد القابل للاستدامة: برامج تعقيم وتطعيم موسعة، مراكز إيواء خارج الكتل السكنية، دعم فعلى ومستمر لدور الطب البيطري، وتوعية حقيقية للمواطنين، لا حملات شكلية تنتهى بانتهاء الاهتمام الإعلامي.
وأقول بوضوح وصراحة تامة إن التعامل مع الظاهرة باعتبارها ملفًا ثانويًا لم يعد مقبولاً تحت أى مبرر. فالطفل الذى يسير إلى مدرسته، والمسن الذى يخرج لقضاء احتياجاته، لا يعنيه الجدل النظرى ولا الصراع بين الشعارات، بقدر ما يعنيه الإحساس البسيط والمشروع بالأمان فى الشارع.
..والقرار الحاسم لم يعد رفاهية، بل ضرورة.. والتنفيذ الجاد لم يعد خيارًا، بل التزامًا.. فإما شوارع آمنة تحمى المواطن، أو استمرار وضع غير منضبط يرتبط بحق المواطن الطبيعى فى الأمان.









