لم يعد الحديث عن سلامة الغذاء ترفا أوشأنا ثانويا يمكن تأجيله بل أصبح قضية أمن صحى تمس حياة المواطنين وسمعة الدولة على حد سواء إذ تكشف الوقائع اليومية عن حجم الخلل فى منظومة تداول الأغذية وتؤكد أن الاكتفاء بالإجراءات التقليدية لم يعد كافيا فى مواجهة خطر متصاعد يطرق أبواب المجتمع بلا استئذان تكرار حوادث التسمم الغذائى وضبط كميات ضخمة من اللحوم والدواجن منتهية الصلاحية قبل تسربها إلى موائد المواطنين يضع الجميع أمام حقيقة صادمة مفادها أن الأسواق غير المنضبطة والشراء من مصادر مجهولة تحولت إلى تهديد مباشر للصحة العامة وهو تهديد لا يفرق بين مواطن بسيط أو سائح أجنبى.
أمام هذا الواقع المقلق وما يكشفه يوميا من اختلالات جسيمة فى منظومة تداول الغذاء تتجدد وتبرز أهمية إلزام وزارتى الزراعة والصحة بالدخول فى شراكة حقيقية لا شكلية لإنشاء وتشغيل عربات «فود تراك حكومية» تقدم وجبات غذائية آمنة وصحية تخضع لإشراف بيطرى وصحى صارم وتنتشر فى الطرق السريعة ومناطق التجمعات الكبرى والأماكن السياحية بما يوفر بديلا موثوقا ويحد من الاعتماد على مصادر غذاء مجهولة الهوية. وجود «فود تراك» تابعة للدولة يعنى أن اللحوم والدواجن المستخدمة معروفة المصدر وخاضعة للرقابة البيطرية الكاملة وأن عمليات الإعداد والتخزين والتقديم تتم وفق اشتراطات صحية دقيقة بما يضمن وجبات آمنة وبأسعار عادلة تحمى المواطن من الاستغلال وتحاصر السوق السوداء للأغذية الفاسدة من بعض التجار.
إن تبنى هذا النموذج يحقق مكاسب تتجاوز حماية المواطن ليشمل حماية الدولة نفسها إذ يسهم فى خفض معدلات التسمم الغذائى وتجفيف منابع تجارة الأغذية الفاسدة وتعزيز ثقة المواطنين والسائحين فيما يقدم لهم من غذاء ويؤسس لوجود دولة فاعــلة فى الشارع لاغائبة خلف المكاتب .
فالدولة التى تكتفى بمطاردة الغذاء الفاسد بعد انتشاره تظل دائما فى موقع الدفاع أما الدولة التى تقدم غذاء آمنا كبديل حضارى ومنتشر فهى دولة تمارس الوقاية قبل الكارثة وتحمى صحة شعبها وتصون سمعتها وتؤكد أن الأمن الغذائى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى «ففود تراك الدولة» ليست فكرة تجميلية بل ضرورة وطنية عاجلة تفرضها الوقائع.









