هل يمكن أن نعيد تخيل برامج التوك شو خارج إطارها التقليدى بوصفها مساحات خبرية وتحليلية، أو ساحات لتصفية الحسابات، أو منصات لإعادة تدوير نفس الثقافات ونفس الأفكار؟ هل يمكن أن تتحول هذه البرامج من مجرد تعليقات يومية على الأحداث إلى بنية درامية سريعة الايقاع، تلامس الواقع دون أن تقع فى فخ المباشرة، وتخاطب الوجدان قبل أن تلاحق العناوين؟
>>>
الفكرة فى جوهرها ليست ترفًا إبداعيًا، بل ضرورة ثقافية. نحن نعيش زمنًا لم تعد فيه المعلومة وحدها كافية، ولا الخطاب الوعظى قادرًا على التأثير. الجمهور تغيّر، أدوات تلقيه تغيّرت، صبره تقلّص، وقدرته على التمييز بين الصدق والزيف أصبحت أكثر تعقيدًا. هنا تبرز الدراما لا بوصفها فنًا ترفيهيًا فقط، بل كوسيط معرفي، وأداة لإعادة بناء الوعى الجمعى على مهل، ومن دون شعارات.
>>>
التوك شو الدرامى ليس مسرحًا ولا مسلسلاً، لكنه يستعير من الدراما عناصرها الأساسية: الصراع، الشخصية، التحول، والسؤال المفتوح. بدل أن يناقش المذيع قضية الغلاء بلغة الأرقام والتصريحات، يمكن أن تُحكى القصة من زاوية إنسانية، من خلال موقف، أو حوار، أو مشهد مكثف يعكس التناقضات اليومية التى يعيشها الناس. الدراما هنا لا تزيّف الواقع، بل تعيد ترتيبه ليصبح مفهومًا وقابلاً للتأمل.
>>>
السؤال الأهم: هل يمكن من خلال هذه القوالب الدرامية إعادة بناء منظومة الوعى الجمعي؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة. الوعى لا يُبنى بالخطابات المباشرة، بل بالتراكم. مشهد صغير قد يترك أثرًا أعمق من ساعة كاملة من الجدل العقيم. جملة ذكية فى سياق درامى قد تهز مسلّمات أكثر مما يفعل مقال مطوّل. الدراما تسمح بالاختلاف، بالالتباس، بطرح الأسئلة دون فرض إجابات جاهزة، وهو ما نفتقده بشدة فى إعلام اعتاد اليقين الزائف.
>>>
فى هذا السياق، يصبح من الضرورى إعادة تعريف دور الإعلام نفسه، خصوصًا فى ظل الاستخدام المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي. الخطر الحقيقى ليس فى أن تحل الآلة محل الإنسان، بل فى أن يُختزل الإعلام إلى محتوى مُعلّب، مكرر، بلا روح. الذكاء الاصطناعى يمكن أن يكون أداة مساعدة فى البحث، فى التحليل، فى رصد الاتجاهات، لكنه لا يستطيع – ولن يستطيع – أن يحكى الحكاية الإنسانية كما يجب. هنا يأتى دور الإنسان المبدع، القادر على توظيف التكنولوجيا دون أن يفقد حساسيته الأخلاقية والثقافية.
>>>
مصر، فى هذه اللحظة التاريخية، فى أمسّ الحاجة إلى دخول عصر جديد بأدوات ثقافية وفكرية مختلفة. التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لا يمكن مواجهتها بنفس الأدوات القديمة. ومع ذلك، نعانى من سمنة مفرطة فى الأفكار الكلاسيكية، من اجترار مستمر لنماذج فقدت صلاحيتها، ومن هيمنة -الفهلوة- على حساب الجدية والعمل المنهجي. الأسوأ أن هذه البيئة سمحت للمتسلقين بالوصول إلى مواقع لم يكونوا ليقتربوا منها فى ظروف طبيعية، حيث الصعود يكون بالاستحقاق لا بالمصادفة.
>>>
الإصلاح فى أوقات الرخاء صعب، لكنه فى أوقات الأزمات أشد قسوة. أى محاولة للتغيير ستواجه مقاومة شرسة: من أصحاب المصالح، ومن المستفيدين من الفوضي، ومن السلبيين الذين اعتادوا الوقوف على الهامش والاكتفاء بالسخرية. لكن البديل عن المحاولة هو الاستسلام، والاستسلام فى هذه اللحظة ترف لا نملكه.
>>>
التوك شو الدرامى ليس حلاً سحريًا، لكنه أحد المسارات الممكنة لإعادة الاعتبار لدور الإعلام كفاعل ثقافى لا كمجرد ناقل للضجيج. هو دعوة للتجريب، للخروج من القوالب الجاهزة، وللاعتراف بأن التأثير الحقيقى لا يأتى من رفع الصوت، بل من عمق الفكرة، ومن صدق الحكاية.
>>>
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا: ماذا لو توقفنا عن الحديث عن الناس، وبدأنا فى الحديث معهم، بلغتهم، وبأدوات زمنهم، ومن خلال دراما تشبه حياتهم؟ ربما عندها فقط يمكن للإعلام أن يستعيد دوره، لا كسلطة، بل كشريك فى تشكيل الوعى وصناعة المستقبل.









