تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا في خريطة صناعة الإلكترونيات، مدفوعًا بسياسات تستهدف توطين الصناعة وتقليل الاعتماد على الواردات.
وقد أعاد نجاح الدولة في جذب عدد من كبرى شركات الهواتف المحمولة العالمية لإنشاء مصانع للتجميع والتصنيع المحلي طرح تساؤل مشروع: هل أصبحت مصر مؤهلة لاستقطاب عملاق بحجم شركة «أبل»؟
من منظور اقتصادي، لا تبدو هذه الفرضية بعيدة عن الواقع. فمصر تمتلك اليوم مجموعة من المقومات التي تُعد عوامل جذب رئيسية لشركات التكنولوجيا العالمية، في مقدمتها حجم السوق المحلي الكبير، وتوافر العمالة الشابة القابلة للتدريب، إلى جانب التحسن الملحوظ في البنية التحتية الصناعية واللوجستية خلال العقد الأخير.
كما تمثل الحوافز الاستثمارية، سواء الضريبية أو الجمركية، عنصرًا مؤثرًا في حسابات الشركات متعددة الجنسيات، خاصة في ظل سعيها المتزايد إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على مراكز تصنيع تقليدية في شرق آسيا. وقد عززت الأزمات العالمية المتلاحقة هذا التوجه، ودفعته من كونه خيارًا استراتيجيًا إلى ضرورة تشغيلية.
اقتصاديًا، فإن توطين جزء من عمليات تصنيع أو تجميع هواتف آيفون في مصر- حال تحققه- قد ينعكس إيجابًا على عدة مستويات. في مقدمتها تقليل فاتورة الاستيراد وتحسين ميزان المدفوعات، فضلًا عن خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات التصنيع، والخدمات اللوجستية، وسلاسل التوريد المحلية. كما أن وجود شركة بحجم «أبل» قد يسهم في نقل خبرات تكنولوجية متقدمة ورفع معايير الجودة والانضباط الصناعي داخل السوق المصري.
ولا يقل عن ذلك أهمية البُعد التصديري؛ إذ يمنح الموقع الجغرافي لمصر، إلى جانب شبكة اتفاقيات التجارة الحرة مع إفريقيا والاتحاد الأوروبي، المنتجات المصنعة محليًا ميزة تنافسية في النفاذ إلى أسواق واسعة بتكلفة أقل، وهو عامل حاسم في قرارات التوسع لدى الشركات العالمية.
ومع ذلك، يبقى جذب «أبل»- إن تم- عملية معقدة، تتطلب استيفاء معايير صارمة تتعلق بسلاسل التوريد المتكاملة، وجودة المكونات، والاستدامة البيئية، وحماية حقوق الملكية الفكرية. وهي تحديات تستدعي استمرار تطوير البيئة التشريعية، وتعميق التصنيع المحلي لمكونات الإلكترونيات، بدل الاكتفاء بمرحلة التجميع وحدها.
في النهاية، يبقى دخول «أبل» إلى السوق المصرية اختبارًا لقدرة الدولة على تحويل سياسات جذب الاستثمار إلى منظومة تصنيع متكاملة. النجاح هنا لن يقاس بعدد الأجهزة المنتجة فقط، بل بمدى نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة. وإذا استمرت مصر في هذا المسار بثبات، فقد لا يكون حلم «آيفون صنع في مصر» بعيد المنال.









