من الشك إلى اليقين.. تحول تدريجي في إدارة الحق الصحي لسنوات طويلة، ارتبط الحديث عن المنظومة الصحية في مصر بحالة من الشك والانتقاد المستمر؛ شكاوى متكررة، تجارب فردية قاسية، ومقارنات دائمة مع المعايير العالمية. لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأ مشهد مختلف يتشكل على أرض الواقع؛ مشهد لم يكتمل دفعة واحدة، ولم يخلُ من التحديات، لكنه يعكس تحولاً تدريجيًا وواضحًا في طريقة إدارة الصحة كحق أساسي للمواطن.
شهادات العائدين: مرآة الواقع الجديد
اللافت أن هذا التحول لم يعد مقتصرًا على البيانات الرسمية أو الخطاب الحكومي، بل ظهر بوضوح في شهادات مواطنين عاشوا خارج مصر لفترات طويلة ثم عادوا، ليلاحظوا بأنفسهم فرقًا حقيقيًا في مستوى الخدمات، وسرعة الاستجابة، وتوافر الرعاية، خاصة في قطاعات كانت تمثل تحديًا مستعصيًا في السابق. هذه الشهادات، التي انتشرت بشكل تلقائي على منصات التواصل الاجتماعي، كشفت عن صورة أكثر توازنًا وإنصافًا للواقع الصحي الحالي.
الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الحرجة
إن تعزيز الإنفاق على القطاع الصحي لم يعد مجرد رقمٍ مُدرجٍ في الموازنة العامة، بل تُرجم إلى توسع ملموس في مظلة التغطية الصحية الشاملة، وتطوير جذري للبنية التحتية للمستشفيات العامة والمراكز الطبية. شمل هذا التطوير تحديث أقسام الطوارئ، وتحسين نظم التشغيل، وتقليص قوائم الانتظار في الخدمات الحرجة، وهو ما استشعره المواطن في لحظات احتياجه الماسة للعلاج.
خدمات الطوارئ: الاختبار الحقيقي
أصبحت خدمات الطوارئ تحديدًا اختبارًا حقيقيًا لمدى تطور المنظومة. ورغم الضغط الكبير والكثافة السكانية، بدأ الكثيرون يلاحظون تحسنًا ملحوظًا في سرعة الاستجابة والتنظيم ومستوى التعامل الطبي. ورغم أن التجربة قد لا تصل إلى المثالية المطلقة في كل الحالات، إلا أن وجود منظومة تعمل بجد وتتعامل مع الأخطاء كفرص للتطوير يُعد تطورًا جوهريًا عما كان عليه الوضع سابقًا.
الأمن الدوائي والتحول الرقمي
على مستوى الدواء، برزت أهمية العمل على تحقيق “الأمن الدوائي”، خاصة في ظل الأزمات العالمية التي ضربت سلاسل الإمداد. فقد ساهم وجود بدائل مصرية فعالة، وتوسيع الاستثمارات في التصنيع المحلي، في ضمان استمرارية العلاج للمرضى.
وبالتوازي مع ذلك، بدأ التحول الرقمي في إعادة صياغة العلاقة بين المريض والخدمة الصحية؛ فمن التسجيل الإلكتروني إلى قواعد البيانات الموحدة، أصبحت المنظومة أكثر قدرة على التخطيط، وأكثر شفافية في إدارة الموارد.
الكوادر الطبية: رأس المال الحقيقي
في قلب هذه المنظومة، تظل الكوادر الطبية المصرية من أطباء وتمريض وصيادلة هم رأس المال الحقيقي. كفاءات تعمل تحت ضغوط كبيرة، وتثبت يومًا بعد يوم أن التحدي لم يكن في العنصر البشري بقدر ما كان في نقص الإمكانيات والاطار التنظيمي. لذا، فإن تحسين بيئة العمل وتوفير التدريب المستمر يظلان حجر الزاوية لضمان استدامة هذا التطور.
خاتمة: نحو مستقبل أكثر استقرارًا
إن وجود أخطاء أو تحديات لا ينفي وجود التطور، بل يؤكد أننا أمام منظومة بشرية حية تتعلم وتصحح مسارها. ومع استمرار الاستثمار في هذا القطاع، من المتوقع أن تشهد مصر قفزات أكبر لا تُقاس فقط بحجم المشروعات، بل بجودة التجربة التي يعيشها المواطن.
قد نعتاد بعض النعم فلا نراها بوضوح، لكن الواقع يشير إلى أننا في مسار تطور حقيقي يستحق تقييمًا منصفًا ودعمًا مجتمعيًا لضمان استمراره.









