أهالى «ملك» و«رهف» لـ«الجمهورية»: لن تكونا آخر الضحايا
جدّة توثق فقدان حفيدتها.. وأم مكلومة: الأمطار اختطفت طفلتى

تحقيق : آلاء حمزة
توفيت الطفلة، ملك رامى غنيم «شهر واحد»، بسبب برودة الطقس القاسية فى قطاع غزة تروى جدتها «أم رامى» لـ«الجمهورية» أن حفيدتها «لم تكن تعانى من أى مرض ـ كانت بصحة جيدةـ المنخفضات الجوية الباردة كانت السبب المباشر فى وفاتها».
«ملك» التى تُعد إحدى ضحايا سلسلة المنخفضات الجوية الحادة التى تعصف بالقطاع، كانت مولودة حديثة لأسرتها النازحة من مخيم النصيرات وسط القطاع إلى الجنوب قرب منطقة المواصي، لكن الأجواء المناخية الصعبة حولتها إلى ضحية جديدة، و«لن تكون الأخيرة»، بحسب جدتها.
ودخلت المأساة الإنسانية فى قطاع غزة مرحلة شديدة الخطورة، بعدما تحولت خيام النازحين من ملاذ اضطرارى إلى مصدر تهديد مباشر للحياة، خاصة مع الأمطار الغزيرة والرياح العاتية والانخفاض الحاد فى درجات الحرارة.
آلاف العائلات التى تعرضت للتشريد القسرى من منازلها المدمّرة تجد نفسها اليوم عالقة بين حرب لم تنتهِ، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وشتاء لا يرحم، وبنية إيواء لا تصلح للبقاء، ما يجعل التحرك الإنسانى العاجل مسألة حياة أو موت.
تسلط جدة «ملك» الضوء على المأساة. تقول: «نعيش داخل خيمة غير صالحة للحياة. المواليد والأطفال أكثر تضررًا. مع المطر والبرد يصبح الجو شديد البرودة. لا يمكن احتماله. فى ليلة وفاة ملك كان هناك مطر ومنخفض جوي».
تصل الجدة إلى اللحظة الأكثر درامية وهى تروى كيف توفيت «ملك» كانت الدموع تسبق الكلام، وهى تقول: «فى الصباح استيقظت والدتها لتجد الطفلة لون شفتيها أزرق. كانت شبه متجمدة أسرعنا بها إلى المستشفى، لكن التنفس الصناعى لم ينجح. قدر الله نفذ».
تعترف الجدة المكلومة لـ«الجمهورية» بأن «حياة الخيام شديدة القسوة الفرش بسيط، لا يوفر أى حماية عند نزوحنا من المنطقة الوسطى خسرنا كل شيء الاحتلال قصف بيوتنا الوضع فى غزة صعب جدًا الكرفانات أصبحت ضرورة عاجلة لأن هناك حالات كثيرة تتوفى بسبب البرد».
أرقام مأساوية فى القطاع:
وكالة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، قالت: إن 1.1 مليون طفل فى قطاع غزة يحتاجون خدمات حماية الطفل ودعما نفسيا واجتماعيا و17 ألف طفل على الأقل أصبحوا بدون رعاية أسرية منذ يونيو الماضي.
البيانات نفسها تظهر أن استمرار النزوح الجماعى يؤثر على 450 ألف طفل فى مدينة غزة وحدها. أرقام توضح أن الأزمة ليست فقط فى القتل المباشر، بل فى الآثار طويلة الأمد مثل الجوع والبرد اللذين يؤديان إلى وفيات الأطفال.
فى وقت سابق توفيت الطفلة رهف أبو جزر «أشهر» فى مخيمات النازحين بمنطقة مواصى خان يونس، بسبب البرد الشديد أيضًا تواصلت «الجمهورية» مع والدتها هاجر أبو جزر «23 عامًا» أكدت، بحزن شديد، أن «رهف كانت سليمة تمامًا. تتحرك بشكل طبيعي».
ضرب المنخفض الجوى منطقة خيام تعيش فيها الأسرة المكونة من 9 أفراد تقول هاجر: «ليس لدينا خيمة بالمعنى المعروف. فقط أعمدة خشبية يغطيها نايلون ضعيف. نمنا عشية وفاة رهف، واستيقظنا على المنخفض الجوى كانت الطفلة مبللة بالمياه، وشفاهها زرقاء».
كانت تقلب كفيها فى الهواء وهى تقول: «البنت ماتت من البرد. فين العالم؟ حسّوا بينا»، بينما يضيف عمها محمد ناجى أبو جزر أن «العائلة النازحة من رفح تعيش واقعًا مريرًا بين الحرب والمطر» يختم حديثه بجملة معبرة: «أطفالنا تولد فى الحرب وتموت فى الحرب».
خطر ينتظر أطفال غزة:
يعيد مدير مستشفى الأطفال فى مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، التذكير بالتحذير المسبق الذى تم توجيهه من تأثير درجة الحرارة على الأطفال، وخاصة الخدّج «يولدون قبل 3 أسابيع من تاريخ الولادة الطبيعي».
يروى «الفرا» لـ«الجمهورية» ما حدث للطفل سعيد سعيد عابدين «29 يومًا»، بعدما أحضرته أسرته إلى قسم الحضانة بالمجمع: «كانت حرارة جسمه 30 حالة حرجة جدًا حاولنا إنقاذ حياته بما لدينا من إمكانيات محدودة، لكنه توفي».
يوضح أنه «الطفل الثانى بعد حالة محمد خليل أبوالخير، عمره أسبوعان توفى فى وقت سابق ستتكرر حالات الوفاة الخيام المهترئة التى لا تمنع بردًا ولا عواصف، وتنعدم فيها وسائل التدفئة الاحتلال يعرقل إدخال الكرفانات مليون مواطن يفترشون شاطئ البحر بالقطاع».
وبحسب وزارة الصحة، بلغ مجموع الشهداء فى قطاع غزة 71271 شهيدًا، بينهم نحو 18592 طفلًا كما وصل عدد الجرحى إلى 171233 جريحًا، فيما تشكل نسبة الضحايا من الأطفال والنساء نحو 70 ٪ من إجمالى الضحايا.
يعترف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن نسبة تتراوح بين 50 إلى 70 ٪ من القتلى فى المبانى السكنية بقطاع غزة كانوا من النساء والأطفال، مما يعنى أن نسبة كبيرة من هذه الأرقام تتعلق بالأطفال إحصاءات اليونسيف أكدت وفاة طفل كل ساعة خلال فترة العدوان.
شهادات توثق واقع النازحين:
هذه الشهادات التى وثقتها «الجمهورية» تعبر عن ظاهرة كارثية تواجه أهالى القطاع، فى ضوء التدهور الواضح فى الطقس، والوفيات المرتبطة مباشرة بغياب المأوى الآمن وأكدت مصادرنا داخل المكتب الإعلامى الحكومى فى غزة أن «الاحتلال يواصل عرقلة إدخال الكرفانات».
لا يقتصر المنع على ذلك، لكنه يشمل «مواد الإيواء» ورغم السماح لمؤسسات دولية بالعمل، تتذرع القوات الإسرائيلية بادعاءات تتعلق بالحكومة الفلسطينية، علمًا بأن الجهات المعنية فى القطاع فتحت المجال بالكامل أمام المؤسسات الدولية».
يُقصد بـ«مواد الإيواء» المستلزمات الأساسية التى تتيح للإنسان الاحتماء من العوامل الطبيعية، وتوفر حدًا أدنى من الأمان والخصوصية، خاصة فى حالات النزوح وتشكّل هذه المواد الحد الأدنى الذى يسمح بالبقاء عندما يفقد الأفراد مساكنهم أو يُجبرون على مغادرتها قسرًا.
تشمل مواد الإيواء الخيام بمواصفاتها الفنية الكاملة، والأغطية المشمعة، والأقمشة العازلة، والبطانيات، والفرش، والحصائر، إضافة إلى الألواح الخشبية أو المعدنية الخفيفة، والحبال، وأدوات التثبيت، فضلًا عن مستلزمات العزل من المطر والرياح والبرد.
وتعتمد المنظمات الإنسانية على هذه المواد كحل فورى ومؤقت فى الحالات التى يتعذر فيها توفير مساكن دائمة أو وحدات سكنية جاهزة. وفى سياق قطاع غزة، تكتسب «مواد الإيواء» أهمية مضاعفة بسبب الدمار الواسع فى البنية السكنية وطول أمد النزوح.
غياب هذه المواد أو إدخالها بكميات محدودة يحوّل الخيام البدائية إلى أماكن غير صالحة للحياة، لاتحمى من الأمطار ولا من الانخفاض الحاد فى درجات الحرارة، ما يعرّض الأطفال وكبار السن والمرضى لمخاطر مباشرة.
وبحسب معلومات «المكتب»، فقد تم فتح المجال أمام «شبكة المنظمات الأهلية، أطباء بلا حدود وغيرهم لإدخال الكرفانات إلى القطاع، لكن الاحتلال مازال يغلق المعابر، وإجراءات المنع قائمة، ما يحرم عشرات الآلاف من العائلات من حقها فى مأوى يحميها من أخطار الشتاء».
وتشير البيانات الحكومية إلى أن «نحو 288 ألف أسرة بحاجة ماسة إلى كرفانات، بينما تتجاوز الحاجة الفعلية 300 ألف وحدة إيواء عند احتساب الأسر الممتدة، فى ظل تدمير واسع للبنية السكنية»، وسط تحذير من استمرار الاعتماد على الخيام.
التحذير يوضح «تعريض مئات الآلاف لمخاطر الطقس القاسي، خاصة مع توقع تكرار المنخفضات الجوية فى ظل التغيرات المناخية»، رغم أن اتفاق شرم الشيخ، الموقع فى أكتوبر الماضي، نص على تسهيلات إنسانية، إلا أن الاحتلال لم يلتزم بتنفيذ كافة بنود الاتفاق.
ودخل إلى غزة 14534 شاحنة فقط من أصل 37200 شاحنة متفق عليها أما المرحلة الثانية، التى كان من المفترض أن تشمل انسحابًا أوسع وبدء مسار إعادة الإعمار، فما زالت معلقة، رغم أن الانتقال إليها بات شرطًا أساسيًا لمعالجة جذور الأزمة، وعلى رأسها ملف الإيواء.
الكرفانات اختبار للإرادة الدولية:
يشكّل ملف الكرفانات اختبارًا حقيقيًا لإرادة المجتمع الدولى إدخال وحدات سكنية سابقة التجهيز يرتبط بتوفير حماية أساسية للمدنيين، وهو التزام منصوص عليه فى القانون الدولى الإنساني، الذى يحمّل قوة الاحتلال مسئولية ضمان سلامتهم فى المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وتؤكد تقارير أممية أن القيود المفروضة على إدخال مواد الإيواء، بما فيها الكرفانات والمواد المصنّفة «مزدوجة الاستخدام»، تفاقم المخاطر، وتحوّل البرد والمطر إلى أدوات قتل غير مباشرة، بحجة أن بعض المواد أو البضائع يمكن أن تُستخدم لأغراض مدنية سلمية وأيضًا لأغراض عسكرية.
إسرائيل ترى أن بعض أنواع الوقود، المعدات الكهربائية، الأجهزة الطبية، وحتى مواد البناء يمكن أن تُستغل لتصنيع أسلحة أو تعزيز قدرات عسكرية لذا تفرض قيودًا مشددة على نقل هذه المواد إلى داخل نطاق قطاع غزة.
ويصنف الاحتلال بعض مواد الإيواء، بما فيها الكرفانات وأجزاء تركيبها، ضمن المواد «مزدوجة الاستخدام»، مما يجعل إدخالها إلى القطاع خاضعًا لإجراءات معقدة، حيث يبطئ وصولها ويزيد من معاناة النازحين فى هذه الأجواء الشتوية شديدة البرودة.
وتتحوّل هذه القيود «بحسب مصادر الجمهورية» من إجراءات أمنية نظرية إلى عامل مباشر فى تفاقم أزمة السكن والحماية، ويصبح الأطفال والنساء وكبار السن أكثر عرضة لمخاطر البرد والأمطار، على النحو الذى تعرض له الضحايا المذكورون «ملك، رهف، سعيد، ومحمد» وغيرهم من الأطفال.
يأتى هذا فيما أعلنت دول عدة استعدادها لتقديم دعم مباشر فى ملف الإيواء، من بينها مصر التى أبدت استعدادًا لتوريد الكرفانات والمواد الإنشائية، فيما أكدت اللجنة المصرية جاهزيتها لإدخال هذه الوحدات فور فتح المعابر.
وطُرحت مبادرات دولية لإدخال بيوت سابقة التجهيز إلى رفح، فى اعتراف بخطورة الوضع الإنسانى غير أن هذه المبادرات ما زالت تصطدم بالتعنت الإسرائيلي، وبالتداخل بين الحسابات السياسية والاعتبارات الإنسانية.
وتكشف أزمة الشتاء فى غزة عن مأساة غياب المأوى الآمن، ما يجعل التحرك العاجل لإدخال الكرفانات والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ مسألة تفاوض سياسي، بل استحقاق إنسانى ملحّ، يتوقف عليه إنقاذ أرواح الأطفال والرضّع، ويحد من الوفيات.









