لم يعد ملف الغذاء قضية هامشية أو شأنًا فرديًا يخص العادات الشخصية، بل بات أحد أخطر ملفات الأمن القومى الصحى فى العالم. وفى مصر، كان الرئيس عبدالفتاح السيسى من أوائل من التفتوا مبكرًا إلى هذه القضية من زاوية غير تقليدية، زاوية تبدأ من المطبخ المصرى قبل أن تنتهى فى المستشفي.
>>>
على مدار سنوات، تحدث الرئيس السيسى بوضوح عن أرقام ونسب الأمراض المرتبطة بسلوكيات الغذاء لدى المصريين. لم يكن حديثًا إنشائيًا أو عابرًا، بل قائمًا على متابعة دقيقة لبيانات صادمة: ارتفاع معدلات السمنة، انتشار مرض السكري، ضغط الدم، الفشل الكلوي، فضلاً عن ظواهر لافتة مثل التقزم والسمنة فى آن واحد بين تلاميذ المدارس. وهى مفارقة صحية خطيرة تكشف خللاً عميقًا فى نوعية الغذاء لا فى كميته فقط.
>>>
هذا الانتباه الرئاسى تُرجم سريعًا إلى مبادرات صحية شاملة، حققت نجاحات محلية وعالمية يشهد بها الجميع، وعلى رأسها المبادرات الخاصة بالقضاء على الفيروسات الكبدية، والكشف المبكر عن الأمراض المزمنة. لكنها، رغم أهميتها، كانت تعالج النتائج أكثر مما تعالج الجذور. وهنا عاد الرئيس ليضع إصبعه على أصل الداء: الغذاء نفسه.
>>>
فى أكثر من مناسبة، وجّه الرئيس السيسى انتقادات غير مباشرة لما يُقدَّم فى بعض البرامج الفضائية من محتوى غذائى يرسّخ عادات خاطئة، سواء فى الإفراط فى استخدام السكر والدقيق، أو الترويج لأنماط طهى غير صحية بوصفها جزءًا من -المطبخ المصرى الأصيل- كما قدّم نصائح بسيطة، ودودة، للمصريين، داعيًا إلى تقليل السكر والدقيق فى الطعام اليومي.
>>>
هذه التصريحات قوبلت حينها بردود فعل متباينة. البعض رأى أن رأس الدولة لا ينبغى أن يتدخل فى ما يأكله الناس، وآخرون فسّروا الأمر من زاوية اقتصادية بحتة، معتبرين أن استهلاك المصريين الكبير للسكر والدقيق يمثل عبئًا على الموازنة العامة. لكن القراءة المتأنية لكلام الرئيس تكشف بوضوح أن الدافع لم يكن اقتصاديًا فقط، بل صحيًا وإستراتيجيًا فى المقام الأول.
>>>
الغذاء الجيد يعنى صحة جيدة، والصحة الجيدة تعنى إنسانًا قادرًا على العمل والإنتاج، ومجتمعًا قويًا معافي. أما الغذاء الرديء، مهما بدا مشبعًا أو رخيصًا، فيؤدى إلى أمراض مزمنة تستنزف الفرد والدولة معًا. من هنا يصبح الغذاء قضية أمن قومى بامتياز، لا تقل أهمية عن التعليم أو الرعاية الصحية أو حتى الدفاع.
>>>
وخلال الأيام الماضية، أعادت الولايات المتحدة الأمريكية فتح هذا الملف بقوة، بعدما أعلنت تحديثًا شاملاً لما يُعرف بـ -الهرم الغذائي- للأمريكيين، واعتبرته بوصلة يجب أن يهتدى بها الجميع. اللافت أن واشنطن، وهى تسعى لاستعادة ريادتها العالمية، لم تركز فقط على الاقتصاد أو التسليح، بل التفتت بجدية إلى سلوكيات الغذاء الخاطئة التى قادت إلى انتشار السمنة والأمراض المزمنة داخل المجتمع الأمريكي.
>>>
هذا التوجه ليس استثناءً. فالمتابع لسياسات الدول المتقدمة يلاحظ أن دولاً أوروبية وآسيوية، بل وحتى عربية، وضعت ملف الغذاء الصحى على رأس أولوياتها الوطنية. بعضها أعاد صياغة إرشادات غذائية رسمية، وبعضها أدخل مفاهيم التغذية السليمة فى مناهج التعليم، وآخرون فرضوا قيودًا على الأطعمة فائقة المعالجة أو السكريات المضافة.
>>>
وهنا يفرض السؤال نفسه :
هل آن الأوان لأن تفزع الحكومة المصرية إلى إعداد هرم غذائى مصرى حديث، يعكس احتياجاتنا الصحية، ويراعى واقعنا الاقتصادي، ويحمى أمننا القومي؟
>>>
هرم غذائى لا يكون مجرد رسم توضيحى أو توصيات عامة، بل إطارًا وطنيًا متكاملاً، يوجّه سياسات الغذاء، ويؤثر فى برامج المدارس، والمستشفيات، والإعلام، وحتى دعم السلع. هرم يراعى طبيعة المطبخ المصري، لكنه يصحح مساره، ويفصل بين التراث الغذائى وما تراكم عليه من عادات ضارة.
>>>
أعتقد أن الدكتور خالد عبدالغفار، ومعه المجموعة الوزارية المعنية بالصحة والتعليم والزراعة والتموين والإعلام، قادرون على بلورة هذا المشروع بجدارة، إذا ما وُضع فى إطاره الصحيح باعتباره استثمارًا فى الإنسان المصري.
>>>
فالرسالة باتت واضحة، فى مصر كما فى العالم:
المطبخ قبل المستشفي.
ومن يربح معركة الغذاء، يربح معركة الصحة… ومن يربح الصحة، يربح المستقبل.









