في أي دولة حديثة، يبدو المشهد السياسي منظمًا وواضح المعالم: برلمان يشرّع القوانين التي تنظم حياة الناس، حكومة تنفذ هذه القوانين على أرض الواقع، وبرلمان يراقب أداء الحكومة ويحاسبها. وفي نهاية الدورة كلها، يقف الناس في موقع الحكم، يقيّمون التجربة، ويمنحون الثقة أو يسحبونها. هكذا تقول الكتب والدساتير، وهكذا يُفترض أن تسير الأمور. لكن السؤال الذي يلحّ دائمًا: كيف يحكم الناس فعلًا على البرلمان والحكومة؟ وبأي أدوات؟ وهل المجتمعات مؤهلة أصلًا للقيام بهذا الدور الحاسم؟
>>>
الحكم على أداء المؤسسات لا يتم بالشعارات ولا بالانطباعات العابرة. يحتاج إلى وعي، ومعرفة، وقدرة على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والدعاية السياسية. يحتاج إلى فهم لطبيعة التشريع، وحدود السلطة التنفيذية، ودور الرقابة البرلمانية. لكن في كثير من مجتمعاتنا، يغيب هذا الفهم، أو يُستبدل بمعايير أخرى: القرب العائلي، الانتماء القبلي، الولاء الطائفي، أو حتى القدرة على الخطابة وإثارة العاطفة. وهنا يتحول الحكم الشعبي من أداة تصحيح إلى عامل تشويه.
>>>
السؤال الجارح، وربما المؤلم، هو: هل مجتمعاتنا ناضجة بما يكفي للحكم على نجاح أو فشل مؤسسات الدولة؟ سؤال لا يُقصد به جلد الناس، بل محاولة فهم العلاقة العضوية بين المجتمع ومؤسساته. فمن السهل اتهام البرلمان بالفساد، والحكومة بالعجز، والسياسيين بالرداءة. لكن من الصعب الاعتراف بأن هذه النخب لم تهبط من السماء، بل خرجت من صلب المجتمع نفسه.
>>>
المجتمع هو الذي يفرز النواب والوزراء، وهو الذي يمنحهم الشرعية عبر الانتخابات أو القبول العام. الوعاء المجتمعي، بثقافته وسلوكياته وقيمه، هو الذي ينضح بما فيه. لا يوجد مجتمع «شاطر» وحكومات خائبة بالكامل، كما لا توجد حكومة كفؤة تعمل داخل مجتمع مترهل فاقد للبوصلة. العلاقة بين الطرفين ليست علاقة خصومة، بل انعكاس متبادل.
>>>
حين يسود في المجتمع احترام القانون، والانضباط، وقيمة العمل العام، سينعكس ذلك على من يصلون إلى البرلمان والحكومة. وحين تنتشر ثقافة التحايل، وتبرير الفساد، والبحث عن المكاسب السريعة، سيحمل ممثلو الشعب هذه الجينات نفسها إلى مواقع القرار. السياسي في النهاية ليس كائنًا استثنائيًا، بل هو «شبه الناس»، يتنفس من هوائهم، ويتشكل من أحلامهم ومخاوفهم وتناقضاتهم.
>>>
ولهذا، فإن الحديث عن إصلاح البرلمان أو الحكومة دون الالتفات إلى حالة المجتمع يشبه محاولة إصلاح سقف بيت متصدع الأساس. الإصلاح الحقيقي يبدأ من التعليم، ومن الإعلام، ومن الخطاب العام، ومن القيم التي تُكافأ أو تُعاقب داخل المجتمع. يبدأ من سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا نكافئ؟ الكفاءة أم الولاء؟ النزاهة أم الشطارة؟ العمل الجماعي أم البطل الفرد؟
>>>
انظر إلى فريق كرة قدم يلعب بتناغم ويحقق أداءً جماعيًا رائعًا، ستجد خلفه ثقافة رياضية تحترم التدريب والانضباط والعمل المشترك. استمع إلى فرقة موسيقية تعزف بتناغم وتنتج ألحانًا جميلة؛ ستدرك أن وراءها مجتمعًا يقدّر الفن والذوق والالتزام. والأمر نفسه ينطبق على السياسة والاقتصاد والإدارة العامة. حين ترى وزراء متناغمين، وساسة راقين، ورجال اقتصاد وفكر وثقافة يعملون بتجرد ومسؤولية، فاعلم أنهم خرجوا من أرحام مجتمعات حية، قادرة على الحلم، وقادرة على تحويل الحلم إلى واقع.
>>>
في النهاية، لا يمكن فصل البرلمان والحكومة عن الناس. هم مرآة لهم، بكل ما في المرآة من صدق وقسوة. وإذا أردنا برلمانًا عظيمًا وحكومة فعّالة، فعلينا أولاً أن نطرح السؤال الأصعب: أى مجتمع نريد أن نكون؟ وما القيم التي نحن مستعدون للدفاع عنها، لا بالكلام، بل بالممارسة اليومية؟ فالدولة ليست مباني وقوانين فقط، بل هي قبل ذلك وبعده مجتمع يعرف ماذا يريد.. ويستحق ما يحصل عليه.









