الحديث مازال مستمراً حول الإستراتيجية الوطنية للسياحة. وأتحدث اليوم عن السياحة العلاجية.تعد مصر واحدة من أهم الوجهات العالمية فى مجال السياحة العلاجية والاستشفائية، حيث تمتلك إرثاً يمتد لآلاف السنين يمزج بين الطبيعة الساحرة والخبرة الطبية العريقة. ومع مطلع عام 2026، تشهد مصر طفرة غير مسبوقة فى هذا القطاع بفضل الاستثمارات الضخمة والمنصات الرقمية التى أطلقتها الدولة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمى ودولى للصحة.
تنقسم السياحة الصحية فى مصر إلى شقين رئيسيين: هما السياحة العلاجية وتعتمد على المستشفيات المتقدمة والعمليات الجراحية والتجميل وزراعة الأعضاء، بإشراف كوادر طبية عالمية.
أما السياحة الاستشفائية فتعتمد على الموارد الطبيعية مثل العيون الكبريتية والرمال السوداء، والمناخ الجاف لعلاج الأمراض المزمنة. وتمتلك مصر أكثر من 1300 عين كبريتية ومعدنية موزعة فى أنحاء الجمهورية، مما يجعلها مشفى طبيعياً مفتوحاً: وتأتي واحة سيوة كأيقونة الاستشفاء بالرمال، وهى الوجهة الأولى لعلاج الأمراض الروماتيزمية وآلام المفاصل. ويشتهر «جبل الدكرور» بطقوس الدفن فى الرمال خلال شهور الصيف، حيث تحتوى رمالها على عناصر كيميائية طبيعية تساعد فى تنشيط الدورة الدموية وعلاج الروماتويد. كما تضم سيوة «بئر كيغار» الذى تصل حرارته إلى 67 درجة مئوية، وهو فعال جداً فى علاج الصدفية والأمراض الجلدية. وتتميز مدينة سفاجا على البحر الأحمر بكونها مركزاً عالمياً لعلاج الصدفية بفضل «الرمال السوداء» الغنية بالمعادن المشعة بنسب آمنة والمفيدة للعظام. وهناك المياه عالية الملوحة التى تساعد فى سرعة التئام الجروح والالتهابات الجلدية. أما أشعة الشمس المتوفرة طوال العام، فتلعب دوراً حيوياً فى تمثيل فيتامين D الضرورى للعظام.
وتعد أسوان بمناخها الجاف مقصداً لمرضى الجهاز التنفسى والكلي، بينما تشتهر حلوان تاريخياً بـ «عين حلوان» الكبريتية التى كانت مقصداً للملوك والأمراء للاستجمام والعلاج.
لم تعد السياحة فى مصر مقتصرة على الرمال والمياه، بل أصبحت وجهة طبية متطورة تنافس عالمياً من حيث الجودة. و تضم مصر عدداً كبيراً من المستشفيات الحاصلة على شهادة الـ (JCI)، خاصة فى القاهرة والإسكندرية، مما يضمن معايير أمان وخدمة تضاهى أوروبا والولايات المتحدة.
وقد أطلقت الحكومة منصة إلكترونية تتيح للمريض الوافد حجز رحلته العلاجية بالكامل، بدءاً من استخراج «تأشيرة السياحة العلاجية» فى أقل من 72 ساعة، وصولاً إلى اختيار الطبيب والمستشفى وبرنامج الاستجمام. وتم البدء فى إنشاء أول منطقة متخصصة فى الجيزة على مساحة 40 فداناً، تضم منتجعات صحية عالمية مثل «نايا ووكينج» وخدمات طبية متكاملة تطل مباشرة على النيل.
لماذا يختار السياح مصر للعلاج؟ الإجابة أن مصر توفر خدمات طبية بجودة عالية بأسعار تقل بنسبة 50 ٪ إلى 70 ٪ عن نظيراتها فى أوروبا ودول الخليج. ويشتهر الأطباء المصريون عالمياً، وكثير منهم تلقى تدريبه فى أكبر المؤسسات الدولية. وتتفوق مصر فى جراحات السمنة وزراعة الكبد والكلى وطب الأسنان وعمليات التجميل. ويمكن للمريض قضاء فترة النقاهة بين الأقصر وأسوان أو فى منتجعات شرم الشيخ والغردقة، مما يحسن الحالة النفسية ويسرع الشفاء. وتستهدف الدولة المصرية وصول عوائد السياحة العلاجية إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2030 ولتحقيق ذلك يتم العمل على تطوير البنية التحتية للطرق المؤدية للواحات البعيدة مثل سيوة.
وكذلك التوسع فى إنشاء «الفنادق الاستشفائية» التى تدمج بين الرفاهية والبرامج الغذائية والعلاجية. كما تم عقد شراكات مع شركات التأمين الصحى العالمية لتضمين مصر ضمن وجهاتهم العلاجية المعتمدة.
تمثل السياحة العلاجية فى مصر «كنزاً غير مستغل بالكامل» يجمع بين بركة الأرض وتطور العلم. وبحلول عام 2026، ومع اكتمال المنظومات الرقمية والمناطق الاستثمارية الجديدة، تتحول مصر من مجرد وجهة تاريخية إلى عاصمة طبية عالمية تستقبل طالبى الشفاء من كافة بقاع الأرض.
وللحديث بقية









