تشكل الأزمة اليمنية أحد أكثر الملفات تعقيداً فى السياسة الخارجية المصرية، ليس فقط انطلاقاً من الروابط التاريخية والقومية التى تجمع الشعبين، بل لكون استقرار اليمن يمثل ركيزة أساسية للأمن القومى المصري، خاصة فى ظل الارتباط الوثيق بين أمن البحر الأحمر والملاحة فى قناة السويس. ومع مطلع عام 2026، تبرز مصر كلاعب محورى يسعى بحكمة وهدوء لإعادة صياغة مشهد الاستقرار فى اليمن.
وتستند الرؤية المصرية تجاه اليمن إلى مجموعة من الثوابت الراسخة التى لم تتغير منذ اندلاع الصراع. ترى القاهرة أن الحل فى اليمن يجب أن يكون يمنياً خالصاً، بعيداً عن التدخلات الإقليمية التى تهدف إلى تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات. وتتلخص هذه الثوابت فى الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية وسلامة أراضيها. ودعم المؤسسات الشرعية للدولة اليمنية باعتبارها الممثل القانونى الوحيد. وكذلك رفض محاولات فرض الواقع بقوة السلاح من قبل أى فصيل.
وكذلك التأكيد على أن الحل السياسى هو السبيل الوحيد والمستدام لإنهاء المعاناة.
وتمتلك مصر ميزة نسبية فى الملف اليمنى تتمثل فى الثقة، فهى دولة تحظى باحترام كافة الأطراف اليمنية والمجتمع الدولي. وخلال الفترة الأخيرة كثفت الدبلوماسية المصرية من تحركاتها عبر دعم المبادرات الأممية. وتنسق القاهرة بشكل يومى مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، موفرةً منصة للحوار واللقاءات الفنية التى تهدف إلى تمديد الهدنة وتحويلها إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وتستضيف القاهرة بشكل دورى اجتماعات لشخصيات سياسية وقبلية يمنية متنوعة، بهدف خلق «كتلة وطنية» قادرة على الانخراط فى مفاوضات جادة مع كافة الأطراف، بما فى ذلك المكونات التى تختلف معها الشرعية، لضمان شمولية الحل.
ولا يمكن فصل الدور المصرى فى اليمن عن إستراتيجية تأمين البحر الأحمر. بالنسبة لمصر، فإن أى تهديد للملاحة عند مضيق باب المندب هو تهديد مباشر لقناة السويس.
ولذلك تلعب القوات البحرية المصرية دوراً حاسماً فى إطار «قوة الوحدة المشتركة، والتى تهدف إلى مكافحة التهريب وتأمين الممرات الملاحية. هذا الدور العسكرى الوقائى يضمن عدم انزلاق المنطقة نحو فوضى أمنية قد تؤدى إلى تدويل الصراع بشكل يضر بالمصالح العربية والمصرية على حد سواء.
وتجسد مصر دورها القومى من خلال احتضان ما يقرب من مليون ونصف المليون مواطن يمنى يعيشون على أراضيها. هؤلاء لا يعاملون كلاجئين، بل كأشقاء يتمتعون بحرية الحركة والعمل والحصول على الخدمات الصحية والتعليمية.
لقد أصبحت القاهرة الوجهة الأولى لليمنيين الراغبين فى العلاج، مع تقديم تسهيلات استثنائية لدخول المرضى ومرافقيهم. وتقدم الجامعات المصرية منحاً دراسية واسعة للطلاب اليمنيين، بهدف إعداد كوادر بشرية قادرة على العودة والمساهمة فى إعادة إعمار اليمن فور استقراره.
وتنظر مصر إلى ما بعد الحرب، حيث تضع خبراتها فى الجمهورية الجديدة تحت تصرف الأشقاء فى اليمن. ويشمل ذلك تدريب الكوادر عبر برامج تدريبية لرجال القضاء، والأمن، والإداريين لتأهيلهم لإدارة مؤسسات الدولة اليمنية بعد التسوية. وفى مجال قطاع الطاقة والكهرباء سيتم نقل التجربة المصرية الناجحة فى حل أزمة الكهرباء إلى المدن اليمنية الكبري. وكذلك تطوير الموانئ اليمنية بالتعاون مع الخبرات الفنية المصرية لتعزيز التبادل التجارى فى حوض البحر الأحمر. إن الدور المصرى فى اليمن ليس مجرد دور عابر، بل هو التزام تاريخى وأخلاقى وإستراتيجي. فمصر تدرك أن استقرار اليمن هو مفتاح استقرار المنطقة بأكملها. ومن خلال الضغط الدبلوماسى للحل السياسي، والاحتضان الإنسانى للشعب اليمني، تظل القاهرة حجر الزاوية فى أى جهد يرمى إلى استعادة اليمن لمكانته الطبيعية كعضو فاعل ومستقر فى الأسرة العربية.









