نادراً ما تنجح الدراما فى الاقتراب من عالم الطلاب بصدق ، لكن مسلسل «ميد تيرم »، فعلها ليس من السهل تحويل هموم طلاب الجامعات إلى دراما صادقة، لكن «ميد تيرم » كسر القاعدة
شاهدت مسلسل «ميد تيرم » خلال الأيام الماضية، و أعجبت بفكرته وجرأته فى الاقتراب من عالم طلاب الجامعات ليس فقط من باب الدراما ولكن من زاوية إنسانية عميقة تلامس الواقع ومشاكل جيل الألفية « Gen Z » واعتماده على لغتهم، ولم يكتف بالترفيه بل ليكون أداة لتحليل الواقع الطلابى وتقديم رؤية تربوية ودرامية فى ذات الوقت .
يكمن سر نجاح المسلسل فى قدرته على المزج بين الدراما الواقعية والرسائل الاجتماعية التوعوية ، فالعمل يعترف بصراحة بأن الطالب الجامعى يواجه ضغوطًا نفسية وجسدية مستمرة، بدءًا من صدمة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة، مرورًا بالامتحانات، وانتهاءً بالقلق من المستقبل وسوق العمل ، وتقديمه الشخصيات على أنها بشر لا يجلس خلف الشاشات أو «جيل تافه » كما يصفه البعض ، يكشف لنا عن عالم آخر بمخاوفه وأحلامه وصراعاته الداخلية، وكسر الصورة النمطية عن الطالب غير المبالي، ما جعل الجمهور الشبابى يشعر بالتعاطف ويكتشف نفسه فى الأحداث .
عرض المسلسل الحياة التعليمية والجامعية بعيدًا عن الإسفاف الذى تناولته مسرحيات مثل «مدرسة المشاغبين» و«العيال كبرت»، وبعض الأفلام التى أثرت على التعليم بشكل سلبى وركزت على مشاكل التعليم مثل «الناظر» أو«صعيدى فى الجامعة الأمريكية»، والتى أثارت جدلًا حول تأثيرها السلبى على التعليم الجامعى وقبل الجامعى ، وتصوير الفوضى التعليمية بشكل كوميدي، مما قد يؤثر على سلوك الطلاب ، وفيلم «الباشا تلميذ» الذى ركز على الجامعات الخاصة والطبقات الاجتماعية الملتحقة بها، ومستوى التعليم فيها، والحرية المطلقة التى تصل أحيانًا لتوفير المخدرات، ما يبرز الفرق الكبير بين محتوى هذه الأعمال وبين الواقعية التعليمية التى قدمها مسلسل «ميد تيرم».
ركز العمل بشكل واضح على الصحة النفسية للطلاب وهى قضية غالبًا ما تهمل فى الخطاب الإعلامى والتربوى، القلق، التوتر، الإحباط، وضغط التوقعات الأسرية والمجتمعية بطريقة صادقة، مؤكّدًا أن هذه المشاعر طبيعية وليست ضعفًا ، هذه المعالجة تُظهر أن الدراما لا تقتصر على نقل الأحداث، بل يمكن أن تكون وسيلة لكسر وصمة التحدث عن الصحة النفسية وتشجيع الطلاب على طلب المساعدة عند الحاجة.
إنتاج المسلسل جاء بدعم من وزارة التعليم العالى والبحث العلمى بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ما يعكس فهمًا حقيقيًا لأهمية دور الفن فى دعم الطلاب ، و الوزارة لم تكتفِ بالدور الأكاديمى التقليدي، بل سعت لاستثمار الدراما كأداة تعليمية وتوعوية، تظهر اهتمامها بالبعد النفسى والاجتماعى للطالب الجامعي، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقى يبدأ من الإنسان نفسه قبل أى شيء آخر.
اعتمد المؤلف محمد صادق و المخرجة مريم الباجورى على أسلوب قريب من الواقعية، مع حوارات وشخصيات مألوفة للطلاب، ما جعل الأحداث قابلة للتعاطف والاندماج واستخدام المواقف الواقعية بدل النصائح المباشرة، و إيصال الرسائل بطريقة مؤثرة وفعالة وأظهرت الدراما كوسيلة لتشكيل الوعى وليس مجرد تسلية.
حظى المسلسل بإشادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعى، لتناوله قضايا الطلاب الجامعيين مباشرة وصدق الطرح، وهو ما يعكس الحاجة الحقيقية لأعمال فنية تعبر عن هموم الشباب ، ونجاحه يفتح الباب أمام المطالبة باستمرار إنتاج مثل هذه الأعمال الدرامية الهادفة، التى تمس التعليم والصحة النفسية وتبنى وعيًا مجتمعيًا حقيقيًا، بدل الاقتصار على الإنتاج الترفيهى العابر .
«ميد تيرم » ليس مجرد مسلسل عرض وانتهي، بل تجربة تحليلية توضح أن الدراما يمكن أن تكون شريكًا حقيقيًا فى التعليم وبناء الوعى الاجتماعي. العمل يبرهن أن الاستثمار فى الإنسان والاعتراف بتحدياته النفسية والاجتماعية، مع تقديم حلول ووعى ضمن الأحداث، يصنع فرقًا حقيقيًا.
ويبقى الأمل أن يكون هذا العمل بداية لمسار درامى واعٍ ومستمر، يعالج قضايا الشباب الجامعى بمصداقية وعمق، ويؤكد أن الطالب هو محور العملية التعليمية .









