في مشهد بيئي بديع لا يتكرر إلا في بقع قليلة حول العالم، تعبر ملايين الطيور سماء مصر سنويًا في رحلتها الشاقة بين قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا. هذا الحدث العالمي، الذي يجعل من مصر “ثاني أهم ممر لهجرة الطيور في العالم”، لا يمثل ظاهرة طبيعية فحسب، بل هو ثروة اقتصادية كامنة وقوة ناعمة تنتظر من يحولها إلى أرقام في ميزان السياحة القومي.
قناة سويس طبيعية
يصف الدكتور خالد النوبي، المدير التنفيذي لجمعية حماية الطبيعة، موقع مصر بـ “المحطة التي لا بديل عنها”، مشبهًا ممرات الهجرة عبر سيناء والبحر الأحمر والدلتا بـ “قناة السويس الطبيعية” التي لا تملك الطيور خيارًا سوى عبورها. وأوضح أن مصر، رغم امتلاكها 500 نوع فقط من أصل 11 ألف نوع عالميًا، إلا أن قيمتها الحقيقية تكمن في “كثافة الهجرة” وتعدد نقاط الرصد، مثل مرصد الجلالة، وشرم الشيخ، وأسوان.
ويؤكد النوبي أن سياحة مشاهدة الطيور تحقق عوائد عالمية تصل إلى 12 مليار دولار سنويًا، مشيرًا إلى أن السائح المتخصص في هذا المجال يعد من “الأعلى إنفاقًا والأطول إقامة”، مما يتطلب إعداد مرشدين متخصصين وتسهيل إجراءات دخول معدات الرصد والتصوير المتطورة.
أرقام تتحدث عن التفرد
من جانبه، يرى الدكتور حسين رشاد، مدير عام محمية أشتوم الجميل، أن تفرد مصر البيئي يظهر عند مقارنتها بدول شاسعة؛ فالولايات المتحدة التي تفوق مساحة مصر بتسعة أضعاف لا تمتلك سوى 700 نوع، بينما تمتلك مصر 500 نوع (350 مهاجرًا و150 مقيمًا). وأكد أن فترة الذروة من أغسطس حتي مايو تمنح السائح فرصة ذهبية للمشاهدة لا تتوفر في بلده الأم.
بورسعيد.. قصة نجاح ملهمة
واستشهد “رشاد” بتجربة مهرجان بورسعيد الدولي لمراقبة الطيور، الذي انطلق في 2022؛ حيث قفز عدد الزوار من 5000 في العام الأول إلى 11 ألف زائر في 2024، وهي التجربة التي بدأت تنتقل إلى الشرقية والسويس وأسوان، مما يفتح آفاقاً لفرص عمل جديدة للشباب وتحويل الصيادين إلى حماة للطبيعة ومنظمي رحلات بيئية.
وفي السياق ذاته، يشدد الخبير البيئي الدكتور شريف بهاء الدين، رئيس الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، على أن هذا النوع من السياحة ليس “ترفًا”، بل هو استثمار في المستقبل يضمن حماية التنوع البيولوجي مع تحقيق عائد مادي مستدام للمجتمعات المحلية، بعيداً عن ممارسات الصيد الجائر.










