هل يمكن أن نستيقظ ذات صباح لنكتشف أن الجغرافيا التى ألفناها لم تعد كما هي؟ أن الخرائط القديمة صارت مجرد صور باهتة فى كتب التاريخ، وأن «الجيران» الذين كنا نعرفهم تحولوا إلى كيانات جديدة، مسلحة، طائفية، لا تربطها بنا لا ذاكرة مشتركة ولا مستقبل واضح؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى ضرباً من الخيال، لكنه فى واقع الإقليم العربى أقرب إلى احتمال قائم منه إلى كابوس بعيد.
>>>
لقد طال الصراع فى منطقتنا إلى حد لم يعد فيه الحديث عن الدولة الوطنية أمراً بديهياً. الدولة التى نشأت بعد الاستقلال، بكل ما شابها من عيوب واستبداد وفشل، أصبحت اليوم هدفاً مباشراً لمشاريع التفكيك، لا الإصلاح. لم يعد الصراع يدور حول السلطة أو التنمية أو العدالة، بل حول إعادة تعريف الهوية ذاتها: من نحن؟ وعلى أى أساس نعيش معاً؟ وهل ما زال مفهوم «الوطن» صالحاً فى زمن السلاح المنفلت والعصبيات المتوحشة؟
>>>
الطريق إلى هذا التفتيت لم يكن مفروشاً بالورد، بل بالزنبقات السوداء: حروب أهلية، أنظمة مستبدة، فشل تنموى مزمن، تدخلات خارجية، وخطاب طائفى وإثنى جرى ضخه بوعى فى وعى الناس حتى صار بديلاً عن الانتماء الوطني. ومع كل أزمة جديدة، كان يتم نزع حجر آخر من أساس الدولة، حتى بات البناء مهدداً بالانهيار الكامل.
>>>
فى هذا السياق، لا يبدو الحديث عن كيانات جديدة فى دارفور أو عدن أو أرض الصومال أو غرب ليبيا أو شمال سوريا وجنوبها مجرد خيال سياسي. إنها سيناريوهات تُناقش فى الغرف المغلقة، وتُختبر ميدانياً عبر الميليشيات، وتُسوَّق إعلامياً تحت شعارات «حق تقرير المصير» أو «حماية الأقليات» أو «الإدارة الذاتية». شعارات قد تحمل فى ظاهرها بعض المشروعية، لكنها فى جوهرها تُستخدم كأدوات لإعادة رسم الخرائط بما يخدم موازين قوى لا علاقة لها بمصالح الشعوب.
>>>
الأخطر فى هذا المشهد أن هذه الكيانات لا تُبنى على أسس اقتصادية أو مؤسساتية أو اجتماعية قابلة للحياة، بل على السلاح والولاء الضيق. ميليشيات ترفع رايات دينية أو طائفية أو عرقية، تتلقى دعمها من خارج الإقليم، وتدير مناطقها كغنائم حرب لا كوطن جامع. وفى ظل هذا الواقع، يصبح «الجار الجديد» ليس شريكاً فى المصير، بل تهديداً دائماً، وحدوداً ملتهبة، وصراعاً مؤجلاً.
>>>
ومن المؤلم أن يكون الدور العربى فى هذا المشهد إما متواطئاً أو متفرجاً. سكين التفتيت فى كثير من الأحيان عربية، تُشهر باسم الثأر أو الخوف أو الانتقام، بينما الأيادى الصهيونية تخطط، والأمريكية تحمى وتدير الإيقاع. أما المدرجات، فهى مكتظة بجماهير عربية تكتفى بالتصفيق، أو الشماتة، أو الصمت، وكأن الخراب الذى يلتهم الجار لن يصل يوماً إلى عتبة البيت.
>>>
السؤال الجوهرى ليس فقط: من هم جيران المستقبل؟ بل: أى مستقبل هذا الذى يُبنى على أنقاض الدول والمجتمعات؟ هل يمكن لكيانات وُلدت من رحم الحرب أن تنتج استقراراً؟ وهل يمكن لهويات صُنعت بالسلاح أن تصمد دون عدو دائم يبرر وجودها؟
>>>
إن أخطر ما فى سيناريو التفتيت ليس تعدد الدول، بل تفتيت الإنسان ذاته: وعيه، وانتماؤه، وقدرته على تخيل مستقبل مشترك. حين يتحول المواطن إلى مجرد تابع لطائفة أو عشيرة أو ميليشيا، يصبح الإقليم كله ساحة مفتوحة للصراعات، بلا أفق ولا نهاية.
>>>
ربما لا يزال هناك متسع لإيقاظ العقل قبل استفحال الكابوس. متسع لاستعادة فكرة الدولة لا كسلطة قمع، بل كعقد اجتماعى جامع. لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية وفكرية، ورفضاً صريحاً لتحويل الأوطان إلى خرائط دم. فإما أن نواجه مشروع التفتيت بوعى وإصلاح حقيقي، أو نستيقظ يوماً لنبحث عن أنفسنا بين جيران جدد لا يشبهوننا… ولا نعرف كيف نعيش معهم.









