لم تكن وفاة مسن فى بورسعيد، متأثرًا بعضة كلاب ضالة، حادثة يمكن المرور عليها سريعًا أو اختصارها فى خبر محلى عابر. ما حدث كان صادمًا، ليس فقط لقسوته، بل لأنه يعكس واقعًا نعرفه جميعًا ونتجاهله منذ سنوات. هذه الوفاة يجب أن تُقرأ باعتبارها جرس إنذار متأخرًا لملف خطير، هو ملف الكلاب الضالة وحق المواطن فى الأمان داخل الشارع العام.
الرجل لم يمت بسبب مرض نادر أو ظرف استثنائي، بل بسبب خطر معروف ومرئى ومتكرر. خطر نراه يوميًا ونتعايش معه، ونتعامل معه باعتباره «أمرًا واقعًا»، حتى تحوّل من أزمة قابلة للإدارة إلى تهديد مباشر للحياة. لم نعد نبالغ حين نقول إن شوارع بعض المدن لم تعد آمنة، فمصدر الخطر لم يعد حفرة طريق أو رصيفًا مكسورًا، بل كائنًا حيًا يتكاثر أمام أعين الجميع.
فى الإسكندرية، كما فى القاهرة والجيزة ومدن أخرى، لايحتاج المواطن إلى تقارير رسمية ليشعر بحجم المشكلة. يكفى أن يخرج من بيته، ليجد مجموعات من الكلاب فى الشوارع الجانبية والرئيسية، أمام المدارس، بجوار المستشفيات، وتحت الكبارى. بعضها مسالم، نعم، لكن كثيرًا منها جائع وعدوانى ومريض، والنتيجة واحدة: شعور دائم بانعدام الأمان لا يمكن إنكاره.
ثمة مناطق الأطفال بها لم يعودوا يسيرون وحدهم كما كان الحال قديمًا، وكبار السن باتوا يحسبون خطواتهم وأوقات خروجهم، ومناطق كاملة تفقد ملامح الحياة الطبيعية بعد غروب الشمس. وفاة مسن فى بورسعيد ليست استثناءً مأساويًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التجاهل والتأجيل.
وبعيدًا عن الانطباعات، الأرقام نفسها مقلقة. مئات الآلاف من حالات العقر تُسجل سنويًا، وعدد كبير من المصابين يتلقون أمصالًا مضادة للسعار، وهو علاج مُكلف نفسيًا وماليًا، فضلًا عن أن المرض قاتل إذا لم يُعالج فى الوقت المناسب. ومع ذلك، لا بيانات واضحة، ولا تقارير دورية، ولا إجابة صريحة على سؤال بسيط: هل الوضع يتحسن أم يسوء؟
جذر الأزمة معروف، وإن تجاهلناه. القمامة. أكوام المخلفات المنتشرة فى الشوارع تحولت إلى موائد مفتوحة، جمع غير منتظم، وحاويات مكسورة أو غائبة، ونبّاشون يضاعفون الفوضي. فى هذه البيئة، لا يحتاج الكلب إلى البحث عن طعام، بل يجد ما يكفيه ليبقى ويتكاثر.
الحديث عن التعقيم وحده، مع ترك القمامة فى الشوارع، إما سوء فهم لطبيعة المشكلة، أو رغبة فى الدوران حولها دون حلها. لا يوجد نموذج ناجح فى العالم للسيطرة على الحيوانات الضالة دون ضبط مصادر الغذاء.
القضية فى جوهرها أزمة إدارة ومسئولية. المطلوب ليس بيانات مطمئنة بعد كل حادثة، بل ربط حقيقى بين ملف الكلاب الضالة وملف النظافة، وبرنامج تعقيم وتحصين مُعلن بالأرقام، وملاجئ حقيقية، ومحاسبة واضحة للمسئول المحلي. هذه ليست دعوة للعنف ضد الحيوان، بل دفاع عن حق الإنسان فى الأمان، العدو الحقيقى ليس الكلاب.. بل الإهمال.









