أكد المفكر الدكتور محمد الخشت، رئيس جامعة القاهرة السابق وعضو المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، أن الثقافة والفنون ليست ترفاً، بل هي “قوة ناعمة” تصنع الدولة وتلعب دوراً حيوياً في حماية المجتمع من الأفكار المتطرفة.
واستعرض د. الخشت تجربته الشخصية في النشأة، مشيراً إلى أن البيئة الثقافية والفنية الغنية في مصر خلال طفولته -والتي شملت قصور الثقافة والمسارح والسينما والأنشطة المدرسية- كانت بمثابة “حائط صد” منيع ضد التطرف. وأوضح أن المدارس الحكومية في تلك الفترة لم تقتصر على التعليم الأكاديمي، بل اهتمت بتنمية العقل والإبداع عبر الأنشطة الرياضية والزراعية والفنية والموسيقية، مما ساهم في بناء شخصية متوازنة؛ فأنشطة الألعاب والموسيقى والزراعة لم تكن لهواً، بل بناءً للعقل والوجدان.
جاء ذلك خلال استضافته في بودكاست «كلام في الثقافة» في موسمه الثاني على قناة “الوثائقية” المصرية، في حلقة فكرية موسعة تناولت مسيرته العلمية، وملامح تكوين الشخصية المصرية، ودور الفن في تشكيل الوعي، وقضايا تجديد الخطاب الديني وفلسفة الدين والعلاقة بين العقل والنص.
شغف مبكر ونقد “الفهم الواحد”
كشف الدكتور الخشت عن شغفه المبكر بالقراءة وارتباطه بالكتب والعلوم الدينية، قبل أن يتجه إلى الفلسفة مدفوعاً بنهم معرفي وتساؤلات كبرى حول الإيمان والوجود، مؤكداً أن هذا الشغف كان أساس توجهه لاحقاً نحو نقد “الفهم الواحد” للنصوص، والانفتاح على مفهوم «تعدد الصواب» بدلاً من احتكاره.
التحدي والاستجابة: من 67 إلى 73
وربط د. الخشت بين نشأته في ظل حرب الاستنزاف ونصر أكتوبر 1973، وبين نظرية “التحدي والاستجابة” للمؤرخ أرنولد توينبي؛ إذ اعتبر أن هزيمة 1967 كانت هي “التحدي”، بينما كان الوعي الوطني والروح الأصيلة للشعب المصري -التي تجلت في الثقة بالجيش وتحقيق النصر- هي “الاستجابة” التاريخية لأمة عريقة.
لا كهانة في الإسلام.. وتجديد الفهم
وشدد الدكتور الخشت على أن التراث الديني جهد بشري قابل للمراجعة، وأن تقديس التفسيرات الفقهية يتناقض مع طبيعة الوحي القرآني الذي يحمل دلالات متعددة تسمح بتجدد الفهم عبر العصور. وأكد أن الثوابت الدينية محصورة في القرآن والسنة المتواترة، وما عدا ذلك خاضع للاجتهاد وإعمال العقل وفق ضوابط علمية، على رأسها عدم التناقض والتوافق مع حقائق الواقع.
كما أوضح الفارق بين «فلسفة الدين» و**«الفلسفة الدينية»**، مبيناً أن فلسفة الدين تدرس الظاهرة الدينية دراسة عقلية نقدية محايدة، مستعينة بعلوم الاجتماع والتاريخ، بعيداً عن الانطلاق الإيماني المسبق الذي يميز الفلسفات التقليدية.
الفلسفة والإيمان
وأكد الدكتور محمد الخشت أن كبار الفلاسفة عبر التاريخ كانوا مؤمنين، وأن الفلسفة ليست نقيضاً للإيمان، بل هي طريق للبحث عن الحقيقة، مشيراً إلى أن العقل من أهم السبل للوصول إلى الخالق، ولا يجوز احتكار الحقيقة أو تكفير الآخر.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن تطور الأديان يعكس تطور الوعي الإنساني، موضحاً أن الله يخاطب البشر على قدر عقولهم، وأن الانتقال من تعدد الآلهة إلى التوحيد يمثل ارتقاءً في تصور الألوهية، وهو ما يقع في صميم الإيمان ولا يتعارض معه.
يُذكر أن الدكتور محمد الخشت هو مفكر وأكاديمي مصري بارز، شغل منصب رئيس جامعة القاهرة (2017-2024)، وله مؤلفات رائدة منها “موسوعة الأديان العالمية” و”نحو تأسيس خطاب ديني جديد”.












