هل خرجت الدبلوماسية من المعادلة؟ للوهلة الأولي، قد يبدو السؤال مبالغًا فيه أو متسرعًا، لكن التمعن فيما يشهده العالم من تحولات وصراعات خلال السنوات الأخيرة يدفعنا إلى إعادة طرحه بجدية كاملة. فالمشهد الدولى لم يعد كما عرفناه لعقود طويلة، ولم تعد الدبلوماسية، بمفهومها الكلاسيكى القائم على التفاوض الهادئ واللغة الرمادية والمجاملات السياسية، هى الأداة الأساسية لإدارة الخلافات أو تحقيق المصالح. نحن أمام عالم جديد، أكثر فجاجة، أكثر صراحة، وأقل اكتراثًا بالأقنعة.
>>>
لقد تأسست الدبلوماسية الحديثة على فكرة «إخفاء الصدام وتأجيل الانفجار»، وعلى استخدام اللغة الناعمة لتمرير مصالح صلبة، وكانت الكلمات تُصاغ بعناية لتخفى خلفها نوايا لا تُقال. أما اليوم، فيبدو أن هذا العصر قد دخل مرحلة الأفول المؤقت، أو ربما النهائي. لم يعد هناك جهد يُبذل لتجميل القرارات، ولا محاولة حقيقية لتسويق الأفعال تحت عناوين أخلاقية أو إنسانية. كل شيء بات يُقال ويُفعل فى وضح النهار.
>>>
فى السابق، كان الاحتلال يُسمى «حماية»، والنهب يُغلف بـ»شراكة»، والتدخل العسكرى يُبرر بـ«نشر الديمقراطية». أما الآن، فنسمع مسئولين ورؤساء دول يتحدثون صراحة عن نيتهم السيطرة، أو الضم، أو الاستحواذ على الموارد، دون مواربة أو محاولة تزيين الخطاب. لم تعد هناك حاجة إلى العلبة المزركشة التى تخفى بداخلها السم، بل أصبح السم يُقدَّم مباشرة، وبلا اعتذار.
>>>
هذا التحول لا يعنى فقط تغيرًا فى الخطاب، بل يعكس تغيرًا أعمق فى بنية النظام الدولى نفسه. فالعالم يشهد تآكلاً واضحًا فى منظومة القواعد التى تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، تلك المنظومة التى حاولت «ولو شكليًا» ضبط السلوك الدولى بقواعد القانون والمؤسسات متعددة الأطراف. اليوم، لم تعد هذه المؤسسات قادرة على فرض وزنها، ولا على لعب دور الوسيط المؤثر، بل تحولت فى كثير من الأحيان إلى مجرد مسرح للخطابات المتكررة دون نتائج حقيقية.
>>>
القوة الخشنة عادت إلى الواجهة، لا كخيار أخير، بل كأداة أولى. العقوبات، التهديد، الابتزاز الاقتصادي، التدخل العسكري، والحروب بالوكالة أصبحت أدوات طبيعية فى صندوق السياسة الخارجية. أما الدبلوماسية، فقد تراجعت إلى دور ثانوي، يُستدعى أحيانًا لتجميل المشهد بعد اتخاذ القرار، لا للمشاركة فى صنعه.
>>>
والمفارقة أن هذه الصراحة المفرطة، رغم قسوتها، كشفت كثيرًا من الأوهام التى طالما سادت. فقد سقطت فكرة «الحياد الأخلاقي» للنظام الدولي، وتلاشت ادعاءات العدالة المتساوية، واتضح أن المصالح هى المحرك الوحيد، وأن القوة هى اللغة الأكثر فاعلية. لم يعد أحد يتحدث عن القيم إلا بوصفها أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم الهدف، وتُنسى حين تعيقه.
>>>
لكن هل يعنى ذلك أن الدبلوماسية ماتت؟ ربما الأدق أن نقول إنها تغيّرت. الدبلوماسية لم تختفِ تمامًا، لكنها لم تعد كما كانت. تحولت من فن إدارة التناقضات إلى أداة لإدارة النتائج. لم تعد وسيلة لمنع الصراع، بل وسيلة لتنظيمه أو التعايش معه. لم تعد تُستخدم لخلق حلول، بل لاحتواء الأضرار أو ترتيب ما بعد الصدام.
>>>
فى هذا السياق، يصبح لزامًا على الدول، خصوصًا الضعيفة أو المتوسطة، أن تعيد حساباتها. فالعالم لم يعد يكافئ حسن النية، ولا يحمى من يراهن فقط على القانون الدولى أو الخطاب الأخلاقي. البقاء فى هذا النظام الجديد يتطلب قراءة واقعية، وفهمًا دقيقًا لموازين القوة، وقدرة على المناورة فى بيئة لا تعترف إلا بمن يملك أدوات الردع والتأثير.
>>>
نحن نعيش مرحلة انتقالية قاسية، عنوانها الرئيسى هو انكشاف الأقنعة. مرحلة تُدار فيها العلاقات الدولية بلا عطور دبلوماسية، وبلا عبارات منمقة. وربما يكون السؤال الحقيقى ليس: هل خرجت الدبلوماسية من المعادلة؟ بل: هل نحن مستعدون للتعامل مع عالم بلا أوهام؟
>>>
فى عالم «على عينك يا تاجر»، لم يعد الخطر فى السم، بل فى تجاهل حقيقته.









