ما هى الفروق بين المواطن والمخبر والحرامى؟.. وما هى ظروف لقائهم؟ وكيف؟ أسئلة طرحها داود عبدالسيد فى هذا الفيلم النادر عن علاقة غريبة بين المواطن الشاب سليم سيف الدين الذى يعيش وحده ويكتب رواية على أمل أن يصبح كاتبا مرموقا، وبين المخبر فتحى عبدالغفور واللص شريف المرجوشى الذى يسرق مخطوط الرواية ويلجأ الكاتب للمخبر فيحاول التوسط لدى اللص، ويبدى المواطن قدراً من التسامح حتى يحصل على ما سرق منه بينما يحاول المخبر التوفيق بينهما خاصة مع قدرته على التفاهم مع اللص وهو ما يتم باستخدام قدر عال من السخرية فى الحوار والأداء والاستعانة بأغانى شعبان عبدالرحيم الذى كان نجما وقتها فى إطار دراما تمزج بين الواقعية والفانتازيا فى نفس الوقت وتدفع المشاهد للتفكير فى نفس لحظات تفكير المواطن وبحثه عن حل، وأيضاً تدفعنا للضحك لإدراكنا ملامح و مفردات هذه العلاقة الثلاثية ودورها فى حياتنا على كافة المستويات، فليس المواطن هنا إلا كل واحد منا، وأيضاً المخبر بملامحه وأسلوبه وطرقه فى التعامل مع الجميع، أما الحرامى فكان هو الوجه الجديد على شاشة السينما، «وشاشة الحياة معا بهذا الأسلوب الجرىء فى مواجهة الآخرين» فهو الشخصية المجهولة، المثيرة للخوف والريبة وهو ما يواجهه المواطن فى بحثه عن حقه، ولأنه لا يمتلك قدرات استعادته فهو يوكل المهمة للمخبر الذى تفاجئه استجابة الحرامى المطعمة ببعض الشروط وهنا يحاول المواطن الفهم، ويدرك ان المسألة أصعب مما تصور، خاصة بعدما وجد المخبر فى حالة موافقة ضمنية على سلوك الحرامى الذى فرض إيقاعه، وشعر بسعادة نادرة وهو يضع نفسه بينهما، ويشاركانه الغناء والرقص، ولم لا، أليس الثلاثة أبناء بلد واحدة؟ وهكذا يفقد المواطن نفسه، وقدرته على استرداد حقه حين وافق على المبدأ، وبعد 9 سنوات كاملة قدم داود فيلمه الروائى الثامن «رسائل البحر» عام 2010 عن الطبيب الجديد يحيى »كان يفضل اسم يحيى لأبطال أفلامه وما يعنيه من رمزية« الذى يعانى من اضطرابات النطق فيتعرض للسخرية والتنمر من زملائه فى المستشفى فيترك المدينة والعمل، ليذهب إلى الإسكندرية حيث توجد شقة العائلة القديمة المطلة على البحر فى منطقة ستانلى البهية ولأنه مفلس، فقد قرر أن يعمل صياد السمك حتى تفرج، لكنه فى اليوم الأول، يصيد زجاجة بها رسالة لا يعرف لغتها، وتبدأ حياته فى التحول تحولات كبرى متتالية من خلال مغامرات البحث عن العمل وإعادة اكتشاف ما تبقى من معارف أسرته من سكان العمارة، ومن الأصدقاء القدامى، ومن مغامرة لأخرى يعيد يحيى اكتشاف نفسه من جديد، ويرتبط بعلاقة مع نورا التى قابلها فى مكان قريب ممنيا نفسه بحياة هادئة قبل ان يتعرض لغزو شقته، والهجوم عليه من أتباع حاج اشترى العمارة، ويريد هدمها وإقامة برج مكانها، ويسرع يحيى من جديد إلى الملاذ، البحر، هو ونورا، قام آسر ياسين ومحمد لطفى وبسمة بأفضل أدوارهم فى هذا الفيلم إلى جانب آخرين بينهم المخرجة القديرة الراحلة نبيهة لطفى فى دور فرانشيسكا الإيطالية ساكنة إحدى شقق العمارة التى تقع على البحر مباشرة بينما قام صلاح عبدالله بدور المشترى الجشع الذى اشتراها ليهدمها ويبنى برجا مكانها فى فيلم يسجل الكثير مما واجهته المدينة الساحلية الأكبر فى مصر وماطالها من متغيرات ومحاولات هدم وتغيير، بعد سنوات قليلة أخرى قدم المخرج الفيلسوف – وفقا لرؤية الكثيرين – فيلمه الأخير عام 2015 وهو «قدرات غير عادية» عن باحث علمى يشعر بالخذلان لفشل بحثه الذى اجتهد فيه كثيرا، وتزداد حالته سوءا حين يوقف عن عمله، فيترك مدينته إلى الإسكندرية وإلى بنسيون يرى البحر يكتشف فيه شخصيات مختلفة يزعجه البعض منهم ولكن صاحبته تصطفيه ويعجب بابنتها الصغيرة معتقدا أنه عثر على ما كان يبحث عنه فى دراسته، وهكذا بدأ هذا المبدع الكبير عمله السينمائى بالبحث عن الإنسان بداخلنا ورصد ما يعيش من خلاله، وتتبع ضيقاته، ولفت الأنظار إلى صراعاته الداخلية قبل الخارجية، فعل هذا منذ أفلامه التسجيلية.. الثلاثة الأولى، ثم أفلامه الروائية ليقدم لنا دراما عن الإنسان والحياة، وكيف يتحول الإنسان إلى أداة فى يد تتلاعب به وبمصيره لو لم يكن منتبها لذاته ولقدراته ولديه قوة المقاومة، تسعة أفلام فى أربعين عاما قدمها داود عبدالسيد للسينما المصرية كتبها وأخرجها باستثناء فيلم واحد للكاتب والمخرج هانى فوزى هو «أرض الأحلام»، وفيلمان عن روايات كاتبين كبيرين هما إبراهيم أصلان وخيرى شلبى، وكانت لديه أحلام لتقديم أفلام أخرى لكن توقف المبدع الكبير عن العمل برغم كتابته لأعمال أخرى بعدما تعذر وجود منتج، وأعلن اعتزاله حفاظا على كرامته وقيمته عام 2017، وتلقى التكريمات، واستفز تصريحه غضب المثقفين ومحبى السينما، ولكنه لم يتلق عروضا محترمة للعمل.. وظل صامتا حتى الرحيل ليكتشف الكثيرون منا محبتهم لأفلامه باستعادتها وترتفع كلمات المحبة والتقدير له بعد الرحيل فى أكبر مظاهرة لوداع صانع سينما مختلفة، وليعيد التاريخ نفسه، فكم من مبدعين رحلوا بدون استكمال مسيرتهم، والبعض مازالوا بيننا ينتظرون.









