تتعدد العوامل التى أسهمت فى انتشار السلوكيات المجتمعية الخاطئة وتراجع منظومة الأخلاق، وضياع القيم النبيلة التى نشأنا عليها منذ الصغر، وقد تناولنا فى المقالين السابقين سببين رئيسيين كان لهما أثر شديد فى تغيير السلوك المجتمعي، أولهما «غياب سيف الحياء» لدى مختلف فئات المجتمع، وثانيهما الدراما الهابطة المرتبطة بالمخدرات والإسفاف، التى أسهمت بشكل كبير فى «انتشار المفاهيم المغلوطة» خاصةً فئة الشباب، ولم يتوقف هذا الوباء عند حداً بعينه، بل امتدت أذرعه ليطال الجميع، فى محاولة ممنهجة لطمس معالم الدين، وتجريف الثقافة، وتفريغ الشعوب من قيمها وتراثها وهويتها، وهو الهدف الأخطر والأعمق لهذه الممارسات.
ومن بين العوامل الهدامة التى استجدت علينا، وبدأت تتسلل إلى نسيج مجتمعنا فى الأونة الأخيرة، ما يعرف بـ «الموضه» أو «الفاشون»، رغم أن التجديد فى المظهر ليس عيباً فى حد ذاته، وقد يكون مظهرًا من مظاهر الرقى والتطور، فإن بعض الصيحات التى نراها اليوم باتت بعيدة كل البعد عن قيمنا وأخلاقنا، فنجد مظاهر لا تمت بصلة لهويتنا، كإطلالات فنية لتبهر العالم، أو ملابس فاضحة ترتدى فى المهرجانات والمحافل الدولية، بالإضافة إلى التقليعات الغريبة فى المظهر، مثل تسريحة الشعر المنتشرة للشباب حالياً والتى تسمى بـ»الموليت»، والسؤال الذى يطرح نفسه، هل الشاب الذى يقص شعره «موليت» بيفكر فى جذورها التاريخية أو الثقافية، ولا مجرد «كوبى وبيست» لستايل منتشر؟ وهل يعلم أنها مشتقة من كلمة «موليتهيد» التى كانت تستخدم فى القرن الـ19 لوصف الأشخاص بالغباء أو البكم، ومن رأيى هى لا تضيف جمالاً ولا تعكس شخصية، وكل هذا وغيره يستباح تحت شعار مواكبة التطور أو الفاشون العالمى.
والمؤسف أن كثيرين مهووسون وينساقون خلف هذه المظاهر بشكل أعمي، دون التفكير فى العواقب أو محاولة التقييم الواعي، فلا نكلف أنفسنا قبل الإقدام على أى تقليد جديد عناء طرح أسئلة بسيطة هل يناسبنى هذا المظهر شكلاً ومضموناً؟ وهل يتماشى مع ثقافتى وديني، أم يهدم قيمى ويشوه هويتي؟ وهل يعزز ثقتى بنفسى ويقوى شخصيتي، أم هو مجرد تقليد أعمى لصيحة عابرة؟.. وغيرها مثل هذه الأسئلة لو طرحناها بصدق وفتحنا عقولنا، لما انسقنا خلف كثير من الصيحات التى تسوق عالمياً، بينما تحمل فى مكنونها دعوات صريحة للانفلات الأخلاقي.
فى النهاية تبقى الحقيقة الثابتة، نحن من نصنع منظومة القيم والأخلاق التى تمثلنا وتعبر عن كياننا، ونحن من نضع القواعد ونسن القوانين الخاصة بنا، فإلزاماً علينا أن نتأنى وندرس كل ما نقبل عليه بوعى ومسئولية، قبل أن نفقد بوصلتنا الأخلاقية.









