المسألة ليست مجرد «شاشة» وممثل يصرخ وجمهور يصفق، بل إنه «العصب الحسى» لأمة بالكامل، حين أجلس أمام تلك الشاشة العجيبة، لا أرى مسلسلاً، بل أرى «معملاً كيميائياً» تُعيد تركيب جيناتنا المصرية، ولكن يبدو أن الكيمياء هذه المرة مغشوشة!
نحن نعيش زمن «البطل» الذى لا يفتح فمه إلا بـ «المطواة»، ولا يأخذ حقه إلا بـ «الذراع»، صار «البلطجي» هو «الجدع»، وصار خروجنا عن القانون هو «الفهلوة».
وهنا يجب التأكيد على أننا لا ننقل الواقع يا عباقرة الدراما، نحن «نخلقه»، الشاب فى الزقاق لا يرى فى البطل «شخصية درامية»، بل يرى «كتالوج» حياة، يقلد مشيته، لغته، وطريقة طعنه للآخرين، لقد تحولت الدراما من «مرآة» للواقع إلى «قالب» يصبّ فيه الشباب مشاعرهم المحبطة، فتخرج لنا جيوشاً من «أشباه الأبطال» الذين لا يعرفون من البطولة إلا الضجيج.
ثم نأتى لـ «عش الزوجية».. كانت الدراما قديماً تعلّمنا كيف «نحتوى» الخلاف، اليوم هى «دليل إرشادى» للطلاق السريع، المرأة فى المسلسلات إما ضحية مسحوقة تماماً تُحرّض على التمرد الأعمي، أو مستبدة خائنة، والرجل إما وحش أو «ديكور».. غابت «المودة والرحمة» وحلّت محلها «الندية القاتلة».. الدراما جعلت من الطلاق حلاً سهلاً، «تريند» عائلياً، بدلاً من كونه «أبغض الحلال»، نحن نحقن البيوت بسموم «المقارنات»؛ الزوجة تقارن حياتها بحياة بطلة المسلسل المليارديرة، والزوج يهرب من واقعه لخيالات الشاشة، والنتيجة؟ محاكم الأسرة تضج بضحايا «الوهم الدرامي».
تشير التقارير الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة إلى وجود زيادة ملحوظة فى حالات الطلاق ً.. وطبعا الدراما تساهم فى هذه الارقام، ففى دراسة تحليلية لدراما رمضان فى السنوات الأخيرة، تبين أن 60 % من العلاقات الزوجية المعروضة على الشاشة تتسم بالخيانة أو العنف أو الصراع المادى الحاد، مما يرسخ فى العقل الجمعى أن «الأصل فى الزواج هو النزاع»، ويجعل الانفصال هو الخيار الأول عند أول عقبة.
يا سادة.. الدراما إما أن تكون «معول بناء» يرمم شروخ نفوسنا، أو «فأس هدم» يجهز على ما تبقى من أخلاقنا، نحن لا نريد دراما «نظيفة» بمعنى «معقمة»، بل نريد دراما «حقيقية»؛ تشبه طينة أرضنا، وطيبة قلوبنا، وعظمة تاريخنا.. كفانا تشويهاً، فقد تعب «الجسد المصري» من كثرة الطعنات!









